أعاد باحث أمريكي من جامعة إلينوي الاهتمام بالأديبة والصحافية المغربية الراحلة آمنة اللوه، إحدى رائدات الكتابة النسائية والإعلام بشمال المغرب، من خلال مشروع بحثي جديد يتناول مسيرتها الثقافية وأسباب تراجع حضورها في الذاكرة الأدبية المغربية، رغم إسهاماتها المبكرة في الصحافة والإذاعة والرواية والتعليم.
وقدم الباحث إريك كالدروود، أستاذ الأدب المقارن بجامعة إلينوي في أوربانا شامبين، مداخلة علمية بجامعة كولومبيا في نيويورك بعنوان «فتاة من تطوان: آمنة اللوه وهوامش الثقافة المغربية»، ضمن مؤتمر دولي مخصص لدراسة العلاقات الثقافية والتاريخية بين المغرب وإسبانيا.
وتأتي هذه المشاركة بعد حصول كالدروود على منحة فولبرايت الأمريكية للسنة الأكاديمية 2026-2027، لإنجاز مشروع بحثي حول حياة اللوه وإنتاجها الفكري والأدبي، باستضافة من المجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا.
ووفق ما أعلنته جامعة إلينوي في 28 غشت الماضي، يهدف المشروع إلى إعادة دراسة مسار الأديبة المغربية، التي عاشت بين سنتي 1926 و2015، وفهم العوامل التي دفعت بإنتاجها الثقافي إلى هامش الذاكرة التاريخية.
واعتبر كالدروود، في تصريحات نشرها الموقع الرسمي للجامعة، أن اللوه أصبحت شبه منسية رغم إنجازاتها، موضحاً أن مشروعه يسعى إلى دراسة حياتها الاستثنائية والظروف التي ساهمت في تراجع حضورها في السرد التاريخي للثقافة المغربية.
وتعد آمنة عبد الكريم اللوه، التي ترد أيضاً في بعض المراجع باسم أمينة اللوه، من الشخصيات النسائية التي ارتبطت بالنهضة الثقافية في شمال المغرب خلال القرن العشرين.
وُلدت سنة 1926 بمنطقة بقيوة في إقليم الحسيمة، قبل انتقال أسرتها إلى تطوان، حيث تابعت دراستها وانخرطت مبكراً في مجالات التربية والصحافة والنشاط الأدبي، خلال فترة الحماية الإسبانية على شمال المملكة.
وبرز اسمها في الإذاعة من خلال برنامج «فتاة تطوان تخاطبكم»، الذي قدمته عبر إذاعة تطوان خلال أربعينيات القرن الماضي، وتناولت فيه قضايا اجتماعية وثقافية، بينها تعليم الفتيات ومشاركة النساء في الحياة العامة.
كما ساهمت في الصحافة المكتوبة، ونشرت مقالات في منابر أدبية وثقافية بشمال المغرب، قبل أن تواصل دراستها العليا في إسبانيا وتحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة مدريد.
وتصفها جامعة إلينوي بأنها أول امرأة مغربية تحصل على الدكتوراه، وإحدى أوائل الصحافيات المغربيات، ومن بين الأسماء المبكرة التي ساهمت في تطوير الكتابة السردية والمسرحية باللغة العربية.
ومن أبرز أعمالها «الملكة خناثة»، وهو نص سردي تاريخي صدر سنة 1954 عن معهد مولاي الحسن بتطوان، وحصلت بفضله على جائزة المغرب للآداب في المنطقة الخاضعة آنذاك للحماية الإسبانية.
ويستحضر العمل شخصية خناثة بنت بكار، زوجة السلطان المولى إسماعيل، من خلال معالجة أدبية تستند إلى التاريخ المغربي، وقد اعتبره باحثون ونقاد من الأعمال المبكرة في تاريخ الرواية المغربية المكتوبة بالعربية.
وتثبت وثيقة محفوظة في الفهرس العام للمكتبة الوطنية التونسية منح آمنة عبد الكريم اللوه جائزة المغرب للآداب سنة 1954 عن هذا العمل، ضمن مطبوعات أصدرتها نيابة التربية والثقافة في منطقة الحماية الإسبانية.
وإلى جانب نشاطها الأدبي، عملت اللوه في التعليم وتولت مسؤوليات تربوية بتطوان، حيث ارتبط اسمها بمدرسة المعلمات وبالدعوة إلى توسيع تعليم النساء، قبل أن تواصل اشتغالها في البحث والتأليف والترجمة.
ويثير المشروع الأمريكي أسئلة بشأن حضور النساء في كتابة التاريخ الثقافي المغربي، خصوصاً خلال مرحلة الحماية والاستقلال، ومدى انعكاس أعمالهن في الدراسات الأكاديمية والمؤلفات التي تناولت تطور الصحافة والأدب بالمملكة.
كما يربط البحث سيرة اللوه بتاريخ شمال المغرب، الذي عرف خلال النصف الأول من القرن العشرين تفاعلات ثقافية ولغوية بين العربية والإسبانية، وأسهم في ظهور تجارب صحافية وأدبية جمعت بين التعليم والعمل الثقافي والإصلاح الاجتماعي.
وجاء تقديم مشروع كالدروود بجامعة كولومبيا ضمن لقاءات بحثية امتدت من 19 إلى 22 أكتوبر، بمشاركة أكاديميين من الولايات المتحدة وإسبانيا، وخصصت لدراسة العلاقات المغربية الإسبانية والهجرة والتمثلات الثقافية المتبادلة عبر مضيق جبل طارق.
ويشكل البحث المرتقب محاولة لإعادة قراءة مسيرة إحدى الشخصيات النسائية المبكرة في تاريخ الثقافة المغربية، من خلال دراسة إنتاجها وسياقها التاريخي وأسباب محدودية حضورها في الدراسات المعاصرة، دون أن تكون نتائج المشروع النهائية قد صدرت بعد.







