بُورتريهاتْ
ads980-250 after header


الإشهار 2

بُورتريهاتْ

إشهار مابين الصورة والمحتوى

لم يسمع بنيتشه قط ولا بسبينوزا، بل لم يعرف من الأسماء الرنانة التي كان يتشدق بها الناس من حوله غير الزمزمي وابن الصديق، ولمّا كان بينه وبين الدين سنوات حياته كاملة، كان يتحاشى المجالس التي تذكر فيها أسماؤهما. وعلى كثرتها أيام شبابه، فقد خسر كل المجالس التي كان يحبها.

كانت له فلسفة عجيبة، ينفذ إلى كنه الأشياء بليونة فتصيب كلّ علاجاته وتشخصياته، لقد كان يمتلك ذلك الشيء الغامض الذي ندعوه بالحكمة.

عرفته منذ الصبا، وأجدني أزعم أنّ مشكلته لم تكن مع الدين يومًا، بل كانت مع التعالم. كان مؤمنًا صادقًا بالرغم من أنّه لم يقرب باب المسجد قط، أو على الأقل، لم يشهد له أحدٌ بارتياد المساجد من قبل.

لا زالت صورته راسخة في ذهني: بجلبابه الأسود الغامق، وشاربه الكث الغليظ، وطربوشه الأسود الذي يشبه العمامة. يقطن وحيدًا بحيّ جنان القبطان، ويحب الجلوس بقهوة الدالية القريبة من منزله، يدخن فيها ما جاد به نهار اليوم من العمل المضني بالميناء، مرتكنًا إلى نفسه حتى يهزمه النوم.

عاش صامتًا، ولم يشيع جنازته إلّا نفرٌ قليلٌ من الناس. لكن، ومثلي العشرات، ذكراه الطيبة خُلِّدت في نفوسنا.
رحمه الله.

*******

كنت أعرفه جيّدًا.

لم ألتقه يومًا من دون سيجارته، كان شره التدخين، وكان يكرر ببلاهة أنّ السيجارة صلة وصل بالسماء، وأنّها أحق بالعبادة من الآلهة.
لا أكتمكم سرًا، والحق يقال، أدهشني مجازه بداية، وأعجبت بشعريته، ثم ما لبث يكرر على مسامعنا نفس العبارات حتى أفرغها من معناها، وصرنا نمقته ونمقت وجوده، فهو وإذا ما تغاضينا على شراهته ولسانه السليط، لا يمكننا أن نتغاضى على أموالنا التي تصرف على السبيسيال وعلى النبيذ الرخيص الذي كان يحبه. فهو يورط دائمًا أحدنا في تأدية مشروباته بدلًا عنه.
تجده دائما بعد الدوام، جالسًا إلى كونطوار الروبيس، نحو خمسة أو ستة كتب مكدسة أمامه، وهو يلقن البارمان العَوْدَ الأبديَّ عند نيتشه. ينظر إليه جميع من لا يعرفونه بزهوٍ، بينما يمقت مجرد ذكراه كل من يعرفه.
قد يكون أغبى إنسان عرفته على الإطلاق، لا يكاد يفقه من فنون الحياة شيئا، لا يرى في العالم غير سواه، وهو مع ذلك يصنف الناس إلى سادةٍ وعبيدٍ، مثقفينَ ودهماء.
تظهر بلاهته كلّما أراد أن يمتدح أحدهم فيقول: إنّه عقلٌ. وهو يقصد بالطبع، أنه يحفظ كالببغاء ما يحفظه هو من تلاويين اللعب باللغة، ومن الثرثرة التي لا يكاد يفقه من حقيقتها شيئًا. وهو يجد نفسه عاجزًا -حتى وإن كانت الثرثرة المحفوظة مفيدة- عن تنزيلها إلى واقع، وترجمتها إلى سلوكٍ.

طلقته زوجته بعد أن تحول إلى كائنٍ لا يطاق، وأطلق عليه تلامذته في الثانوية ألقابًا ذميمة لا يصح ذكرها هنا.

لكل أستاذٍ لقبٌ، وكل الألقاب تلاشت مع كبرنا في السنّ، وتحولت السخرية اللاذعة في حق أساتذتنا إلى احترامٍ عميقٍ؛ إلّا الألقاب التي أطلقها عليها تلامذته: فقد استحقها جميعًا!


ads after content

شاهد أيضا
عداد الزوار