في بورصة السياسة المغربية، وقبل اسابيع من استحقاقات 23 شتنبر 2026، لا صوت يعلو فوق صوت “الميركاتو” الانتخابي.
لقد تحول قانون منع الترحال السياسي، الذي طالما سُوق له كدرع واق للأخلاقيات الحزبية، إلى مجرد فزاعة خشبية تحرس حقلا حصدت ثماره بالكامل.
فبينما فتحت أبواب الترشيحات رسميا، كانت نوافذ الأحزاب قد شرعت قبل ذلك بكثير لهروب جماعي يشبه هجرة الطيور الموسمية، لكن نحو الوجهة التي تضمن الدفء الانتخابي، لا الدفء الإيديولوجي.
المشهد يبدو أقرب إلى ملهاة مأساوية. ففي منتصف غشت، أعلنت المحكمة الدستورية شغور مقاعد نواب اختاروا الاستقالة مع قرب الانتخابات، فيما جردت نائبا آخر من عضويته بعد تخليه عن الحزب الذي ترشح باسمه.
من الناحية الشكلية، اشتغلت الآلة القانونية بصرامة. لكن في العمق السياسي، لم تكن كلفة المغادرة في هذا التوقيت سوى تذكرة عبور زهيدة. ما قيمة أن يسقط مقعد يحتضر في أسابيعه الأخيرة من يد سياسي يضع عينه بالفعل على مقعد وثير لولاية تمتد لخمس سنوات قادمة؟ القانون هنا يتصرف كحارس أمن صارم يطرد زبونا من مطعم بعد أن أتم تناول وجبته بالكامل.
والخطيئة الكبرى لا تقع على عاتق “الرحالة” وحدهم، بل تتجسد في النفاق المؤسساتي للأحزاب ذاتها. فالصدام العلني الذي اندلع قبيل الانتخابات بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة ليس خلافا حول فلسفة برامجية أو رؤى مجتمعية، بل هو شجار تجار حول “حقوق الملكية” لمرشحين يملكون كتلا ناخبة جاهزة.
فالحزب الذي يبكي بمرارة طهرانية حين يفقد منتخبا، هو ذاته الذي يفرش السجاد الأحمر لاستقبال هارب من معسكر خصومه، مبررا ذلك بـ”الاقتناع السياسي”. هذا الانفصام يحول المؤسسات الحزبية إلى مجرد دكاكين لتأجير الرموز الانتخابية لمن يدفع الثمن بنفوذه المحلي.
إن جوهر الترحال لم يعد ارتحالا بالمقعد، بل أصبح تهريبا علنيا للرأسمال الانتخابي: شبكة العلاقات، النفوذ الترابي، والأصوات المضمونة. السياسي يترك خلفه مقعدا خشبيا باليا، ويحمل معه “الماكينة” التي ستنتج مقعدا جديدا بلون مختلف.
وأمام هذا العبث، يقف الناخب المغربي مجردا من أي يقين. كيف نطلب منه أن يؤمن بقدسية البرامج والتحالفات يوم الاقتراع، إذا كان المرشح نفسه يرتدي الانتماء الحزبي كمعطف شتوي يخلعه عند أول تغير في اتجاه الريح؟
لقد نجح المشرع في حماية “المقعد” ماديا داخل قبة البرلمان خلال الولاية المنتهية، لكن انتخابات 2026 تفضح حقيقة قاسية: لقد حمينا الكراسي، وتركنا روح الديمقراطية التمثيلية تباع في المزاد العلني.
وطالما استمرت الأحزاب في البحث عن الفائز الجاهز بدلا من بناء المناضل الملتزم، سيظل المنع الدستوري للترحال مجرد نص أنيق يقرأ في الندوات، ويداس بالأقدام عند أبواب مكاتب التصويت.







