عودة روسيا الى الساحة الدولية ضرورة جيواستراتيجية لإرساء التوازن الدولي
ads980-250 after header


الإشهار 2

عودة روسيا الى الساحة الدولية ضرورة جيواستراتيجية لإرساء التوازن الدولي

إشهار مابين الصورة والمحتوى

أهمية الدراسة تنبع من المأساة التي تمر بها الإنسانية حيث أغرى ضعف العالم عدوه بالجرأة عليه حتى اقتحم حماه و انتهكه .مما يقتضي الوقوف  على أسباب فشل النظام الدولي السائد و عوراته للبحث في صياغة تصور متكامل عننظام بديل من خلال اعادة ترتيب و توزيع عناصر القوى في العلاقات الدوليةلإرساء التوازن الدولي و اعادة الاستقرار باليات تكريسيةلأنسنةالمعايير الدولية و محدداتها تسود فيها القيم الكونية المشتركة بين العائلة الانسانية الممتدة .

انهيار الاتحاد السوفياتي و نهاية الحرب الباردة بطرق سلمية وان كانت تعد انتصارا لأنسنة المنظور المعياري للعلاقات الدولية فانها شكلت اخلالا جسيما في موازين القوى .

فبالنسبة للنظريات التي كانت سائدة في خضم الحرب الباردة فان استقرار العالم كان مرتبطا بالأساس بالحفاظ على التوازن بين القطبين اللذين يحددان مستقبل العالم ، و في رحم هذه النظريات نشأت فكرة نهاية العالم بانهزام احدى القوتين.

رهان هذه النظريات على توازن القوى في اطارا الثنائية  القطبية كشرط اساسي للحفاظ على الامن و السلم العالمي ادى الى اتهامها بافتقارها للبعد النظري و لفشلها في عدم قدرتها على التنبؤ الا ان الواقع السائد يعظم من شانها .

ونتيجة لغيا ب هذا التوازن اصبح العالم هشا بدون روح يفقد مناعته و يستسلم بكل الياته المادية امام هول جائحة اتسعت رقعتها  وتداعيتها في هجوم اخترق بسهولة و بسرعة جسد العالم معلنة عن فشله و انهيار نظامه .

عالم بدون روح تجلى في افراغ  الانسان من روحانيته و اغتيال انسانيته بإخضاعه الى ملكوت المال و تحويل مصدر هويته الى حسابه البنكي وجعل سلطة المال عقيدة في اطار سيادة العولمة داخل القطبية الاحادية التي افرزت الهيمنة الامريكية على العالم بمقتضى مفهوم امركة العالم مما قلب موازين القوة و ادى الى التسليم بالقيم ومن ثم الى الانهيار في خضم الحرب الباردة التي اتسمت بالصراع الايديولوجي الحاد و التوتر من خلال الحروب بالوكالة كنا نعيش 23يوم سلام في السنة لان المعايير المحددة للناظم الدولي كانت تستند على القيم بمفهومها الايديولوجي تكريسا لمفهوم الاستقطاب و اظهار التميزاليوم نتيجة اندثار القيم نعيش فقط تسعة ايام سلام في السنة.

ان المتأمل في ما يحصل اليوم في العالم يقر بان الازمة الحالية جيواستراتيجية  اخلاقية و روحية بامتياز تناسلت فيها النماذج المسمومة التي جعلت النظام الدولي يتسم بالهشاشة و عدم المناعة. فرضية زادت حدتها بعد ان جيء برئيس للدولة القطب من عالم المال فاقد للحس السياسي و بإدارة غير كفأةو بتخطيط غير ملائم لقيادة العالم . علما ان تقلده للحكم ادى في ظرف وجيز الى تحويل بلده، بلدا لقيم الى شركة و الى تسليع كل شيء ،العلاقات الانسانية و الارث الحضاري بدءا بتبخيس  دور المؤسسات الوطنية ومن بينها البيت الابيض الذي لم نعد نسمع باسمها اي بيان الذي تحول الىتغريدات شخصية للرئيسو انتهاء بإهانة  و التنكر للتحالفات الخارجية و تحويلها الى سوق لبيع التعاون و التضامن مقابل المال على حساب القيم علما ان الشراكة تعني وحدة المصالح اما التحالف  فهو وحده القيم التي تعد الركيزة الاساسية للوحدة الامريكية نفسها المجسدة في ميثاق 17 شتنبر 1778 .هذه الخيارات بالإضافة الى هذه الموجة الاحتجاجية الرافضة للسياسة الامريكية داخليا و خارجيا ادت الى انهيار الامبراطورية الامريكية و الى تآكل القيادة القطبية للنظام الدولي و الى نهاية العولمة.

الامر يتعلق بمرحلة انتقالية صعبة غير مسبوقة وتفوق المراقبة و الرصد مرحلة صنع الحدث تؤثث لبداية حقبة تستند على نقلة نوعية تنتقل فيها موازين القوى من المادية الى قوة غير مرئية تحركها القيم في نظام التعددية القطبية لإعادة التوازن الدولي كرهان اممي بتموقع قوى دولية ذات ارث حضاري متجدر و ثقافة سياسية تستند على البعد الانساني كتحالف روسيا الصين المدعو الى فرض التوازن  الى جانب الولايات المتحدة باليات جديدة تسود فيها القيم لمواكبة طبيعة التحولات التي فرضتها الجائحة وتجاوبا مع المزاج الشعبي السائد .وفي هذا الصدد اكد الرئيس الفرنسي السيد مانويلماكرون في شهر شتنبر الماضي ان الغرب استنفذ كل قواه و لم يعد له ما يقدمه للعالم.المستقبل بيد روسيا الصين و يجب علينا ان نعيد تقييم علاقتنا بروسيا بتعزيز انتمائها الأوروبي.

نفس التوجه عبر عنه السيد نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق خلال مشاركته في الجامعة الصيفية للاتحاد العام لمقاولات المغرب التي انعقدت ايام 13 و14شتنبر بالدار البيضاء.

_ علما ان تعدد القطبية لا يمكن ان يحقق التوازن  الا اذا كان بين الشرق والغرب لان التقارب  بينهما احدث طبقا للتجارب السابقة خللا كبيرا في مسار الاستراتيجية العالمية(قرار تصنيف الصهيونية شكل من اشكال العنصرية و التمييز العنصري10 نونبر 1975الذي يقر  بمقاومة الايديولوجية الصهيونية التي تشكل خطرا على الامن و السلم العالميين الغي  هذا القرار سنة 1992 بتقارب روسيا و الولايات المتحدة الامريكية الطبيعة تؤكد ان الريح اماان تكون شرقية او غربية معايير قوية تؤثث معنويا و مزاجيا بفرضية عودة الروس لمكانتهم الطبيعية .الروس لم يستوعبوا الانهيار و الاهانة حيث ترسخت لديهم ثقافة الريادة كمحرك ومؤثر دولي و يعملون على التخلص من عقدة التراجع .

ان الغرب يتعامل مع عودة روسيا كفاعل اساسي في العلاقات الدولية بمثابة مفاجأة غير سارة غير منطقية وغير قابلة للتصديق. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تم تشطيبها كقوة وتم النظر اليها بانها محطة وقود تقدم نفسها على انها دولة . وهذا يعطي الانطباع ان الغرب يجهل عقلية وثقافة الروس.

وبعد ظهور مؤشرات العودة صرح السيد براك اوباما خلال مؤتمره الختامي 16/12/2016 يمكن للروس ان يؤثروا علينا فقط ان تخلينا عن قيمنا «  كما ظهر مصطلح في فرنسا

Nain économique la Russie et un géant géopolitique

قزم اقتصادي روسيا عملاق جيوسياسي.

وبعيدا عن ما يثار من جدل حول امكانية عودة روسيا كقوة عظمى و انطلاقا من ان المعادلة الهوياتيةالمتجدرة في ثقافة الروس اذا كان القيصر قويافروسيا قوية و استحضارا لشساعة اراضيها حوالي ثمن الكرة الارضية و غنى ثرواتها المعدنية النفيسة و تنوعها بالإضافةإلى المكاسب الهيدروكربونية و اعتمادا على خياراتها الاستراتيجية هي اليوم تراهن بكل مقوماتها على لعب دور اساسي في النظام الدولي البديل تمهد له و بشكل استثنائي الجائحة وتداعياتها المعنوية على مزاج الشعوب والامم في رغبتها لاستقطاب قوة جديدةكما كانت عليه شعوب  العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

تجليات الاقلاع و التموقع

تفكك و انهيار ثم عودة واستعادة للدور ملخص مسار روسيا كوارث أساسي للاتحاد السوفياتي قطعته منذ بداية التسعينات الى اليوم . فمن معانتها الاقتصادية الحادة و هجرة بعض العقول والتي فقدت على اثرها نفوذها و مكانتها الدولية هذه المرحلة الانتقالية سرعان ما انتعشت مع وصول السيد فلاديمير بوتين الى السلطة ابريل 2000 مدشنا عهد القيصر القوي حيث اعتمد استراتيجية ملموسة للعودة و التي لقيت استجابة طوعية مكثفة من طرف كل الروس بما فيهم الطبقةالالغرشية التي  ترى في ذلك الوسيلة الوحيدة للحفاظ على امتيازاتهم الدولية والتي تتعرض لبعض المضايقات بفعل العقوبات المفروضة من طرف الولايات المتحدة على روسيا منذ غزوها لشبه جزيرة القرم مارس 2014. 

_قام بتدابير جدرية ضرورية لإعادة هبة الدولة داخليا لمحاربة الفساد و سيطرة المافيا .

.اعتمد استراتيجية دعم سلطة الدولة متبنيا في سبيل  ذلك مجموعة من الاجراءات منها تشديد قبضة الدولة على المؤسسات الاقتصادية الحيويةو السياسية في مواجهة رجال الاعمال والسياسة الذين تمكنوا خلال الفترة المنهارة من السطو عليها و ادارتها وفقا لمصالحهم خاصة في مجال النفط و الغاز و المعادن الثمينة و الكافيار و للتحكم التام تم تعيين حكام الاقاليم بدلا من انتخابهم و هو ما منحه القوة للحد من الفساد المنتشر في مختلف مفاصل الدولة.

وبهذا الاجراء تم التحكم في تدبير النزاعات الانفصالية و تسوية الكثير من الملفات الاثنية والقومية الداخلية الشائكة لترسيخ الوحدة وفقا لعقد اجتماعجديد شملته التعديلات الدستورية 2008و التي ستتعزز بالقرارات المشكلة للتعديل الدستوري الجديد الذي تم اقراره بمجلس الدوما في شهر مارس الماضي والتي ستطرح للاستفتاء يوم12يوليوز المقبل وبموجبها سيسمح له بالترشح لولايتين رئاسيتين تمتد الى سنة 2036 وعززت العجالة التي تم بها تمرير التعديلات الدستورية في الدوما الرغبة لاستعادة دور دولته في الاستراتيجية العالمية و التموقع كناظم اساسي في النظام الدولي البديل. كما ان تسريع هذا القرار جاء  على غرار  قرار الصين تمديد ولاية الرئيس لمدى الحياة و هي رؤية جيوسياسية روسية كحتمية استمرار التحالف  مع الصين و تحقيق أهدافه على المدى المتوسط و البعيد بشكل دائم و ثابت .

وفي نفس التوجه تم تعزيز قدرات الدولة العسكرية وتطويرها وتزويد قطاعاتها بمنظومات صاروخيةمتطورة جدا.

وتم تحديد هذه الاستراتيجية طبقا لمرتكزات محددة بالطابع الدفاعي عن امنها القومي

 و مصالحها الحيوية والحفاظ على الردع ببعده الاستراتيجي و القدرة على مواجهة التهديدات الامنية المتصاعدة. تطوير جعل جيشها كأقوى و اضخم قوة عالمية و خصوصا القوة النووية.والطائرات والدبابات وهو محوريكتسي اهمية قصوى في رسم اهداف السياسة الخارجية

و تامين العودة انطلاقا من ان نجاح الفعل الخارجي مرهون بترتيب البيت الداخلي و السيطرة التامة على كل المفاتيح كمنظومة شاملة اقتصاديا و عسكريا و ديموغرافيا وقوة المبادئ المتجسدة في منظومة القيم اي الجمع بين القوة الصلبة و القوة اللينة .

LARGE CLAVIER HARD ET SOFT POWER

هذه المحددات  و العوامل الداخلية اضافة لشخصية الرئيس بوتين الذي يتحرك و يتحكم بتصوراته في خلق الظروف التي بدورها عززت مقوماته لصنع الحدث و بلورةمشروع العودة و التموقعو هو ما برز في كلمته بمناسبة احتفال بلده بعيد الجيش 22فبراير2019مؤكدا اننا ننهج سياسة خارجية مسؤولة تهدف للاستقرار الدولي.

واذا كانت السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي  قد استندت  في تحركاتها الى منطلقات ايديولوجية استقطابية فإن الامر قد تغير مع التفكك و انتقال العالم من الصراع الايديولوجي إلى  صراع فقدان الثقة الذي تكرس بعد احداث11  شتنبر 2001تحولت على إثرها توجهات روسيا إلى نزعة براغماتية ذات ابعاد جيوستراتيجية في سلوكها الخارجي لتحقيق العودة و مشاركة بفاعلية في اعادة تشكيل النظام الدوليعلى أساس التوازن بأشكاله المختلفة.

و استناداإلى نجاحاتها على كافة الأصعدة أقرت روسيا منذ 2010 سياسة مواجهة الغرب  بعد فشلها   في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل معها على قدم المساواة باحترام مصالحها القومية  و خاصة بما يتعلق بعمليات توسيع  العضوية في حلف الناتو.

و انطلاقا من رؤية الكرملين فإن التدخل العسكري الروسي في اوكرانيا مارس سنة 2014 يعد نهاية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة التي تميزت بسيادة الغرب , فضم شبه جزيرة القرم ابعدالشبح  الأمريكي  واحبط خطتهاوسعيها احتواء روسيا جغرافيا بضمالجمهوريات السوفياتية السابقة لحلف الناتو و بنشرها للذرع الصاروخي في بولونيا و التشيك، حيث اعتبرت تدخلها في أوكرانيا

 و جورجيا بمثابة حاجز أمني دفاعي .

و على خلاف التدخل في سوريا سنة 2015 الذي كان مغامرةمحفوفة بالمخاطر فإن نتائج عملياتها العسكرية  و الجيوسياسية أربكت كل النقاد و تجاوزت توقعات بوتين نفسه.

إن الإنجازات الروسية في المنطقة تعززت  بشبه التحالفات المرنة مع إيران و تركيا و بإرساء علاقات متجددة مع بعض دول المنطقة مكنها من قوة التأثير كما هو الشأن بليبيا و أصبح ودها مطلوبا في لبنان و دول أخرى .

كما أنها تلعب دورا مهما في الوساطة الأمنية بين إيران و دول الخليج في وقت تحتفظ فيه بعلاقات جيدة مع إسرائيل.

كما تم فتح مسارات تعاونية مع مناطق جديدة و في مقدمتها افريقيا حيث شهد العام 2019  تنظيم اول قمة روسية افريقية بمنتجع سوتشيعلى بحر الازوفبحضور 45 دولة افريقية وكان من اهم مخرجاتها تدشين المنتدى الاقتصادي الروسي الإفريقي كمنصة للحوار المباشر بين الطرفين و التي قدمت فيها روسيا  نفسها  بالشريك الأمني .

من جهة أخرى اتجهت موسكو للمناورة بطريقة عسكرية بالسعي لاختراق النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية  حيث تتواجد بعض القطع البحرية الروسية في فينزويلا  و كوبا كما تقدم دعما سياسيا للرئيس نيكولاس مادوروالذي لا يزال في السلطة , رغم الصعوبات التي يواجهها داخليا

 و خارجيا .

وتعزيزا لهذا التوسع يتم إيلاء مزيد من الاهتمام بالقطب الشمالي بفرض مراقبة روسية

و شروط ملموسة على مرور السفن الحربية الأجنبية في بحر البار ينس من أجل ضمان أمن روسيا و سيطرة على القطب الشمالي و ثرواته الجذابة .

كما أن الإطار المحدد لتحرك روسيا تعزز بالدور القوي للكنيسة الأرثودكسية كعامل روحي ذي أهمية يتم استثماره في السياسة الخارجية  الروسية كمصدر للقيم الإنسانية المشتركة التي من شأنها إرساء معايير أخلاقية في تدبير الإستراتيجية العالمية .

و تعتمد هذه المقاربة على الثقافة و اللغة الروسية التي يصل عدد الناطقين بها حوالي 600 مليون متحدث عبر العالم كأداة لإشعاع مشروع الكنيسة الذي يحظى بالإجماع الوطنيخلق العالم الروسي

كل المحددات التي تم الاستناد إليها , تحمل اطمئنانا مطلقا حول الإقلاع و التموقع و استعادة روسيا لمكانتها لإرساء توازن دولي كفرضية جيوستراتيجية لمواجهة النيوليبراليةالتي أهملت أركان الكرامة الإنسانية لإعادة الروح في النظام الدولي المحكوم باتخاذ منعطف يؤول إلى نظام تضامني تكافلي بعمق إنساني.

الدكتور ادريس قريش

_دكتور دولة في العلاقات الدولية و السياسة الخارجية

_وزير مفوض في التقاعد

_أستاذ زائر بجامعات وطنية و أجنبية                                                             

_عضو الفدرالية العالمية لتخليق العلاقات الدولية

 


ads after content
inside after text

شاهد أيضا
عداد الزوار