أعادت التوترات التي رافقت محاولات العبور نحو سبتة المحتلة، في نهاية يوليوز الماضي، ملف الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا إلى واجهة النقاش الإعلامي، بعدما طرحت منابر إسبانية تساؤلات بشأن مدى اعتماد المملكة على الكهرباء القادمة من شبه الجزيرة الإيبيرية، وإمكان تحول هذا الارتباط إلى ورقة ضغط في أوقات الأزمات السياسية.
ولا يتعلق النقاش بتزويد سبتة بالكهرباء من المغرب، كما قد يوحي عنوان الخبر للوهلة الأولى، بل بالكابلين البحريين اللذين يربطان الشبكتين المغربية والإسبانية عبر مضيق جبل طارق، وبحجم الكهرباء التي استوردها المغرب من إسبانيا خلال السنة الماضية.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن شركة «ريد إليكتريكا»، المشغلة للشبكة الكهربائية الإسبانية، سجلت المبادلات الكهربائية بين البلدين خلال سنة 2025 رصيداً صافياً لصالح الصادرات الإسبانية بلغ 3.743 جيغاواط ساعة، مقابل 2.537 جيغاواط ساعة في سنة 2024، وهو أعلى مستوى يسجل منذ سنة 2017. وبلغ الحجم الإجمالي للكهرباء المتبادلة في الاتجاهين 4.014 جيغاواط ساعة، بزيادة قدرها 30 في المائة خلال عام واحد.
وتظهر الأرقام أن حركة الكهرباء لم تكن متوازنة بين الاتجاهين. فقد صدّرت إسبانيا نحو 3.880 جيغاواط ساعة إلى المغرب عبر معاملات السوق والعقود الثنائية خلال سنة 2025، بينما استوردت منه نحو 132 جيغاواط ساعة فقط. كما استُخدمت الوصلة في اتجاه التصدير من إسبانيا بمعدل أعلى بكثير من استخدامها في الاتجاه المعاكس.
وتتكون البنية التحتية الرابطة بين البلدين من دائرتين كهربائيتين تضمان سبعة كابلات بحرية؛ ثلاثة كابلات للدائرة الأولى، وثلاثة للثانية، إضافة إلى كابل احتياطي مشترك. وتمتد الوصلة بين محطة طريفة في الجانب الإسباني ومحطة فرديوة، شرق طنجة، فيما تعود ملكيتها بالتساوي إلى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب وشركة «ريد إليكتريكا» الإسبانية.
ودخل الخط الأول الخدمة سنة 1997، ثم أضيف الخط الثاني سنة 2006، بطاقة تقنية تصل إلى 700 ميغاواط لكل واحد منهما، أي بطاقة إجمالية نظرية تبلغ نحو 1.400 ميغاواط. وفي فبراير 2019، وقع البلدان مذكرة تفاهم لدراسة إنشاء خط ثالث مماثل، بكلفة كانت مقدرة آنذاك بنحو 150 مليون يورو، على أن يرفع قدرة التبادل التجاري الإجمالية بين الشبكتين. غير أن الإعلان الرسمي الصادر في ذلك التاريخ لا يكفي وحده للقول إن المشروع الثالث أُنجز أو دخل الخدمة، إذ كان يتعلق باتفاق للدراسة والتطوير.
اعتماد مرتفع أم مبالغة في توصيفه؟
استند النقاش الإعلامي الإسباني إلى تقديرات تفيد بأن الكهرباء المستوردة من شبه الجزيرة الإيبيرية أصبحت تمثل حصة مهمة من الاستهلاك المغربي. لكن نسبة الاعتماد الدقيقة تحتاج إلى الحذر، لأن مقارنتها بالإنتاج أو الطلب الوطني تتطلب بيانات مغربية نهائية عن استهلاك سنة 2025، وليس فقط أرقام الصادرات الإسبانية.
والمؤكد من البيانات الإسبانية أن المغرب زاد وارداته الكهربائية من إسبانيا بصورة واضحة خلال العام الماضي، وأن الرصيد الصافي ارتفع بنحو 47.5 في المائة مقارنة بسنة 2024. لكن ذلك لا يعني أن إسبانيا تزود المغرب بكل احتياجاته، ولا أن الشبكة المغربية لا تستطيع العمل من دونها، بل يدل على أن الربط أصبح مصدراً مهماً للتبادل ودعم توازن الشبكة، إلى جانب الإنتاج الوطني.
فالربط الكهربائي لا يؤدي وظيفة تجارية فقط، بل يسمح كذلك بتبادل الطاقة بسرعة عند ارتفاع الطلب أو حدوث خلل في الإنتاج. وتوفر الشبكات المترابطة مرونة أكبر لمشغلي الأنظمة الكهربائية، مقارنة بالشبكات المعزولة، خصوصاً في ظل ارتفاع حصة الطاقات المتجددة المتقلبة بحسب الرياح والإشعاع الشمسي.
هل تستطيع مدريد قطع الكهرباء؟
تقنياً، يمكن تقليص المبادلات أو وقفها في حالات استثنائية، لكن تحويل الربط إلى أداة عقابية ليس قراراً بسيطاً أو بلا كلفة. فالبنية التحتية مملوكة بالتساوي بين المؤسستين المغربية والإسبانية، كما أن المبادلات تخضع لترتيبات تقنية وتجارية ولحاجة متبادلة إلى استقرار الشبكتين.
وتشير بيانات سنة 2025 نفسها إلى أن الوصلة تعمل في الاتجاهين، وإن كان التدفق من إسبانيا إلى المغرب أكبر بكثير. وخلال أزمة انقطاع الكهرباء التي ضربت شبه الجزيرة الإيبيرية في 28 أبريل 2025، سُجلت أيضاً مبادلات دعم قادمة من جهة المغرب، وإن كانت استعادة الشبكة الإسبانية قد اعتمدت في مراحلها الأولى، وفق الرواية الرسمية لـ«ريد إليكتريكا»، بصورة أساسية على الربط مع فرنسا، الذي أعاد الجهد الكهربائي إلى محطة هيرناني عند الساعة 12:43.
ورقة ضغط لها حدود
سياسياً، اكتسب الموضوع حساسيته من تزامنه مع أزمة الهجرة في سبتة، وليس من وجود قرار رسمي إسباني بقطع الكهرباء. والمصدر الذي أثار النقاش يؤكد بدوره أن مدريد لم تتخذ أي خطوة رسمية في هذا الاتجاه، وأن الحديث ظل محصوراً في تحليلات وتصريحات إعلامية بشأن أدوات الضغط الممكنة بين البلدين.
كما أن اعتماد المغرب المتزايد على الواردات الإسبانية خلال 2025 لا يلغي اعتماد إسبانيا بدورها على التعاون مع المملكة في ملفات الطاقة والهجرة والتجارة والأمن. وأي استخدام أحادي للربط الكهربائي قد يدفع المغرب إلى تسريع تنويع وصلاته الخارجية، وتعزيز قدراته الإنتاجية والتخزينية، والبحث عن مسارات إضافية نحو الأسواق الأوروبية.
وتشير المعطيات إلى أن الربط الكهربائي أصبح جزءاً من بنية المصالح المشتركة بين البلدين، أكثر منه «مفتاحاً» تمتلكه جهة واحدة. فإسبانيا كانت المصدر الصافي للكهرباء خلال السنوات الأخيرة، لكن المغرب يملك بدوره شبكة إنتاجية متنامية وموقعاً جغرافياً مهماً في مشروعات الربط بين أوروبا وإفريقيا.
هكذا أعادت أزمة سبتة سؤال الطاقة إلى الواجهة، لكنها كشفت أيضاً حدود الخطاب الذي يقدم الكابلات البحرية باعتبارها سلاحاً جاهزاً للاستخدام. فالأرقام تثبت ارتفاع الواردات المغربية من إسبانيا، لكنها لا تثبت وجود قرار بالقطع، ولا تسمح وحدها بوصف المغرب بأنه خاضع بالكامل للإمدادات الإسبانية.
وما بين الاعتماد التجاري والأمن الطاقي، تبقى القضية الأساسية هي مدى قدرة المغرب على تقليص تعرضه لتقلبات السوق الخارجية، عبر زيادة الإنتاج المحلي، وتطوير التخزين، وتنويع الربط الدولي، حتى لا يتحول ارتفاع الواردات الظرفي إلى نقطة ضعف استراتيجية طويلة الأمد.







