بعد نحو خمسة عقود من طرح فكرة الربط القاري الثابت بين المغرب وإسبانيا، لا يزال مشروع النفق البحري تحت مضيق جبل طارق يبحث عن طريقه نحو التنفيذ، في ظل استمرار الدراسات التقنية والجيولوجية التي يفترض أن تحسم مدى إمكانية إنجاز هذا الورش، الذي يطمح إلى إقامة أول رابط بري مباشر بين القارتين الإفريقية والأوروبية.
وفي أحدث خطوة لمواصلة التحضير للمشروع، خصص المغرب ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 اعتمادات تناهز 120 مليون درهم، أي ما يعادل نحو 11 مليون يورو، لتمويل دراسات جديدة تتعلق بالنفق المرتقب، دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار بالشروع في أشغال البناء.
وستتولى الشركة الوطنية للدراسات عبر المضيق تدبير هذه الاعتمادات، المدرجة ضمن التوقعات المالية لوزارة التجهيز والماء، بتنسيق مع المؤسسة الإسبانية المكلفة بدراسة مشروع الربط الثابت بين ضفتي المتوسط، في إطار التعاون الثنائي القائم بين البلدين.
وتتركز الجهود الحالية على معالجة مجموعة من الإشكالات التي ظلت تعترض المشروع منذ عقود، وفي مقدمتها الخصائص الجيولوجية المعقدة لقاع مضيق جبل طارق، إلى جانب تحديد الجدوى الاقتصادية والتقنية للنفق، وتقييم انعكاساته المحتملة على البيئة البحرية.
وتشمل الدراسات المرتقبة مراجعة المعطيات العلمية والتقنية المتراكمة خلال المراحل السابقة، وإجراء أبحاث إضافية حول طبيعة التكوينات الجيولوجية تحت قاع البحر، فضلا عن تحيين التقييمات البيئية ودراسة الجوانب القانونية والاستراتيجية المرتبطة بإنجاز المشروع وتشغيله مستقبلا.
وفي الجانب الإسباني، تتواصل بدورها التحضيرات التقنية من خلال مراجعة التصور الأولي للمشروع، الذي يعود إلى سنة 2007، مع بحث الخيارات الممكنة لربط النفق بالشبكة الحديدية الإسبانية، وتحديد المواقع المناسبة لإقامة المنشآت الضرورية على الضفة الشمالية للمضيق.
ومن بين المواقع المطروحة للدراسة منطقة فيخير دي لا فرونتيرا، التي قد تحتضن المحطة الإسبانية المرتبطة بالمشروع، فيما يجري بحث إمكانية إقامة مدخل النفق بالقرب من عتبة كامارينال، الواقعة بين طريفة وزهرة دي لوس أتونيس، دون أن يكون قد جرى الحسم النهائي في هذه الخيارات.
وتشارك مؤسسات بحثية إسبانية، من بينها المجلس الأعلى للبحث العلمي، في دراسة الخصائص الجيولوجية للمضيق، بهدف تحديد طبيعة التحديات التي قد تواجه عمليات الحفر، ومدى ملاءمة التكوينات الصخرية لإنجاز بنية تحتية بهذا الحجم.
ويعود الاهتمام الرسمي بإقامة رابط قار بين المغرب وإسبانيا إلى سنة 1979، عندما أطلق البلدان أولى المبادرات المشتركة لدراسة إمكانية عبور مضيق جبل طارق بواسطة منشأة ثابتة، غير أن الصعوبات الهندسية والتكاليف المالية المرتفعة حالت دون ترجمة المشروع إلى أشغال فعلية.
وبعد سنوات من التقدم المحدود، عاد المشروع إلى واجهة التعاون المغربي الإسباني منذ سنة 2023، مع استئناف التنسيق بشأن الدراسات والتحضيرات التقنية، في سياق تجدد الاهتمام بتطوير البنيات التحتية الرابطة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
ورغم تخصيص اعتمادات مالية جديدة، لا يزال المشروع في مرحلة الدراسات، في غياب قرار رسمي نهائي بشأن إنجازه أو تحديد موعد لانطلاق الأشغال، وهو ما يجعل الانتقال من التصورات الهندسية إلى التنفيذ الفعلي رهينا بنتائج الأبحاث الجارية والتوافق حول الخيارات التقنية والمالية المناسبة.
وفي حال تجاوز هذه العقبات، من شأن النفق المرتقب أن يحدث تحولا في منظومة النقل بين المغرب وإسبانيا، عبر إتاحة الربط المباشر بين الشبكتين الحديديتين المغربية والأوروبية، وفتح آفاق جديدة لحركة المسافرين والبضائع والتبادل الاقتصادي بين إفريقيا وأوروبا.







