من المسؤول ؟

مستجدات

  • ...
ads980-250 after header


الإشهار 2

من المسؤول ؟

إشهار مابين الصورة والمحتوى

لعل كثرة الحديث في الآونة الأخيرة عن طنجة و الحال غير المُرضي الذي صارت عليه، مَرَده المرارة التي يحسها أهل المدينة و معهم جموع من المحبين لها و المهوسين بتاريخها العريق الزاهر والزاخر بالحكي والروايات والأساطير، و المليء بالأحداث الهامة الوطنية والدولية، سواء منها التي احتضنتها المدينة وكانت مسرحاً لها، أو التي لعبت فيها دوراً استراتيجيا وحاسماً.

وهو الأمر الذي جعلها  في وقت من الأوقات طرفا هاماً في المعادلات الإقليمية والدولية والعالمية أيضا في السلم كما في الحرب، وكانت الملجأ الآمن للسياسيين والمفكرين و العلماء وكل من كان يبحث عن العالم الفريد الذي لم يكن له وجود إلا في الخيال وفي طنجة، في كوكب كانت شرارات الحروب فيه أسرع اندلاعا من ارتفاغ ضغط الديكتاتوريات التي حكمت القارة العجوز في النصف الأول من القرن الماضي، فكانت طنجة شاطئ النجاة للعديد من رجال المال والأعمال والفكر والفن، وكانت الخزانة الأكثر ضمانا وأمانا للأبناك العالمية الكبرى، التي استودعتها أموالها إلى أن تحط الحرب أوزارها. ولعل أرشيف الذاكرة العالمية يشهد بذلك، كما تشهد به الكتب والقصص والأفلام التي توثق لهذه الحقبة بكثير من الحسرة.

المتتبع لما يُكتب وينشر ويذاع عبر المنابر المختلفة، وبمواقع التواصل الاجتماعي التي صارت منبرَ من لا منبر له، والصور الناذرة والرائعة بأبيضها وأسودها التي توثق لحقبة هي الأروع في تاريخ المدينة، والتي تعتبر اليوم الشاهد الوحيد على العصر الذهبي الزاهر الذي عاشته، سيكتشف حالة من الاستياء تنتاب ساكنة المدينة بسبب الإهمال الذي بات يطبع مختلف المعالم التاريخية و السياحية بها، وغيابها أو تغييبها عن كل برامج التهيئة التي يتم الإعداد لها، في الوقت الذي كثر فيه الحديث عن وَهْمٍ النهوض بالقطاع السياحي بالمدينة، بل والاستهداف الذي صار يهددها بسبب البرامج التنموية التي لم تعر للرمزية التاريخية والبعد الثقافي والتراثي والبيئي للمدينة أي اعتبار.

فالحال الذي صارت عليه مختلف المرافق التي كانت وحدها تحكي تاريخا بأكمله، كاف لكي يُلقي بالمرء في أحضان الحسرة والقهر، ويدفعه به إلى الكفر بكل ما يؤمن به هؤلاء الذين أصموا آذان العباد بأقوال بدون أفعال عن التهيئة وإعادة التهيئة، والترميم وإعادة الترميم، والهيكلة وإعادة الهيكلة، والتفكير وإعادة التفكير، وكل شيء فيه الإعادة التي صارت عادة في زمن الانتخبات و إعادة الانتخابات التي تُفرز دائما من يصير بين عشية و ضحاها متحدثا باسم مدينة لا يعرف حتى أسواقها، فبالأحرى تاريخها وقيم مآثرها!.

و يتسائل الكثيرون ممن لهم دراية جيدة بما حدث و يحدث بهذه المدينة من اغتصاب يومي للتاريخ والتراث والبيئة، عن ما الذي استفاذت منه طنجة خلال العقدين الأخيرين. و الظاهر ان لا شيء يمكن الحديث عنه في هذا الباب إلا مجموعة من السلبيات التي بسببها صار التشوه أكبر عنوان يمكن وضعه إلى جانب ما سُميت به قديماعروس البوغاز المشوهةبحيث لم تستفذ المدينة من كل ذلك الاهتمام الكبير الذي حظيت به من قبل الكبار إلا سلباً لأراضيها و تفويتها لمن ولدتهم أمهاتهم في عش من قطن أبيض ناصع دافئ، أو في فمهم ملعقة من ذهب، وارتفاع مهول ومخيف في عدد الوافدين إليها من كل فج عميق، و بروز حفاة عراة رعاة الشاه وقد تطاولوا في البنيان و سَدُّوا المنافذ، بعد ما صارت تربتها ذهبا، و صار الغِنى أسهل لمن يملك بقعة أرضية من أولائك الذين كانوا من قبل لا يَعُدون النقوذ إلا بـالدوروأوالريال، لينتقلوا بقدرة قادر و مباشرة إلىالمليار، و هي القفزة القياسية التي ذهبت بكل شيء جميل وحلو، وجلبت على المدينة ما سيجعلها مستقبلا غولا يستحيل العيش بين أنيابه.

و لا ندري ما الفائدة التي تعود علينا من كل تلك التوأمات التي وقعتها وتوقعها الجماعة مع مختلف المدن العالمية إذا لم تكن تؤمن بأهمية الموروث التاريخي والثقافي والسياحي مثلما يؤمن به نظراؤها، ويحافظون عليها كونها أصل أصلهم، و روح حاضرهم مستقبلهم. فما الفائدة إذن من كل تلك البعثات و تبادل الزيارات التي يقوم بها المنتخبون والمنتخبات في مختلف المجالس والغرف، والذين لا يكفون عن الرحلات إلى هنا وهناك على نفقة الدولة ومن أموال الشعب، إن لم يتعلموا شيئا من أسيادهم، ويفيدوا البلد في شيء من التجارب التي يقفون عليها حول كيفية التدبير و التسيير، إن هم وقفوا على شيء حقا خارج الملاهي و الفنادق و التخفيظات بالمراكز التجارية؟

إن الاستهداف الذي طال ويطال مختلف المعالم التاريخية للمدينة، و التجاهل المقصود لكل النداءات المطالبة باحترامها وتثمينها والالتفات إليها والعناية بها، وكذا الصمت المريب للسلطات أمام محاولات القضاء عليها، لأكبر دليل على أن مؤامرة مقصودة تحاك ضد ذاكرة طنجة، وتستهدف ضرب قدرتها في العودة إلى المكانة السياحية المرموقة التي كانت تتبوأها من قبل

ثم ما الفائدة من مشاريع تنموية إن كانت على حساب تاريخ وذاكرة المدينة؟، ومن المسؤول الحقيقي عن هذا التطاول الذي امتد إلى تراثها ومعالمها التاريخية؟ وفي وجه من نحتج ونتظاهر؟ ومن نحاسب؟

أظن أن الإجابة واضحة، لكن الجهر بها يصعب في ظل تجنب الحديث عن ملف يحمل توقيعات تلسع كل من حاول لمسه.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا