عاد مئات الأشخاص الجمعة طوعا إلى المناطق المجاورة، بعد أقل من يوم على دخولهم المدينة خلال موجة عبور واسعة أربكت السلطات الإسبانية وأغرقت الشوارع والساحات بالوافدين.
وقالت وسائل إعلام إسبانية إن مجموعات من الشبان بدأت منذ ليل الخميس العودة عبر معبر باب سبتة، من دون أن تعلن السلطات عدد المغادرين أو تكشف ترتيبات واضحة لمواكبة العملية.
وشكلت العودة الطوعية أول تراجع ملموس لموجة العبور التي دفعت آلاف الأشخاص إلى دخول المدينة برا وسباحة، فيما تحدثت تقديرات أمنية نقلتها الصحافة الإسبانية عن وصول عدد العابرين إلى نحو 49 ألف شخص، من دون صدور حصيلة نهائية عن الحكومة الإسبانية.
وبدت المغادرة خيارا اضطراريا بالنسبة إلى كثيرين بعدما وجدوا أنفسهم عالقين في مدينة صغيرة، تفتقر إلى القدرة على إيواء الأعداد المتدفقة، فيما أمضى آخرون الليل في الشوارع والحدائق في انتظار اتضاح موقف السلطات.
ولا تدخل هذه العودة ضمن عمليات الإعادة التي أعلنت الرباط ومدريد التنسيق بشأنها، إذ اختار المغادرون الرجوع من تلقاء أنفسهم، بينما تظل الإعادة القسرية خاضعة لمساطر تختلف بحسب السن وطريقة الدخول والوضع القانوني لكل شخص.
وقال أحمد العمراني، عضو المكتب المركزي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان ورئيس لجنة الرصد والتوثيق، إن “إرجاع القاصرين غير المصحوبين بذويهم يخضع لاتفاقيات ثنائية بين الدول ومقتضيات قانون الأجانب وحماية الطفولة، ولا يتم إلا عبر مساطر قد تؤدي إلى الإبقاء عليهم في بلد الاستقبال”.
وأضاف أن الإعلان عن تنسيق بين المغرب وإسبانيا لإعادة الذين دخلوا سبتة المحتلة لم يحدد بدقة الفئات المشمولة، ولا كيفية التعامل مع القاصرين أو الذين وصلوا سباحة.
وتابع العمراني أن قوانين حماية الطفولة تمنع إعادة القاصرين بصورة فورية، وتفرض على السلطات الإسبانية دراسة كل حالة بصورة منفردة، والتحقق من السن والهوية والوضع العائلي وظروف الاستقبال قبل اتخاذ أي قرار.
وأوضح أن المسطرة قد تنتهي بعودة القاصر إلى أسرته أو وضعه تحت رعاية مؤسسة مختصة في باقي التراب المغربي، كما قد تنتهي بالإبقاء عليه داخل نظام الحماية الإسباني إذا تعذر ضمان عودته في ظروف آمنة.
وزاد قرار حديث للمحكمة العليا الإسبانية من صعوبة تنفيذ عمليات إعادة سريعة، بعدما قضى بعدم تطبيق مسطرة “الرفض عند الحدود” على الأشخاص الذين تعترضهم السلطات في البحر خلال محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة المحتلة أو مليلية المحتلة.
وألزمت المحكمة السلطات بإخضاع الواصلين بحرا لمسطرة الإعادة العادية، التي تتطلب تحديد الهوية وتوفير محام ومترجم، والتحقق من وجود طلب للحماية الدولية، مع منح الشخص المعني حق الطعن في القرار.
وقال العمراني إن شبكات التهريب استغلت القرار رقم 814/2026 لتحفيز القاصرين والبالغين على السباحة نحو سبتة، عبر ترويج ادعاءات بأن الوصول بحرا يمنع الإعادة.
وأضاف أن الحكم لا يمنح الواصلين حقا تلقائيا في الإقامة، لكنه يمنع إعادتهم فور اعتراضهم، ويرجح أن تقتصر عمليات الإعادة خلال المرحلة الأولى على الذين دخلوا برا، في انتظار حسم أوضاع القادمين عبر البحر.
وقال “المحتمل هو إعادة من دخلوا برا فقط في المرحلة الأولى، وليس من وصلوا بحرا، احتراما للقانون وللقضاء الإسباني”.
من جهتها، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من إخضاع القاصرين غير المصحوبين لإعادة جماعية، مؤكدة أن أي قرار يجب أن يراعي المصلحة الفضلى لكل طفل ويضمن الاستماع إليه وتمكينه من المساعدة القانونية.
وتشدد المنظمة على أن إعادة القاصر تستوجب قرارا معللا وقابلا للطعن، وحضورا قانونيا متخصصا، ووقتا كافيا لتحديد السن ودراسة الحاجة إلى الحماية، فيما سبق لها أن اعترضت على إعادة قاصرين من سبتة من دون هذه الضمانات.
وطالب العمراني السلطات الإسبانية بتوفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية لكل من دخل سبتة المحتلة، معتبرا أنها تتحمل مسؤولية سلامتهم إلى حين عودتهم طوعا أو تسوية أوضاعهم القانونية.
كما دعا سلطات المدينة إلى حماية الأطفال والنساء والشباب من الاعتداءات العنصرية، وتوقيف المعتدين ومتابعتهم، محذرا من استغلال حالة الفوضى لاستهداف الوافدين.
وطالب في المقابل السلطات المغربية باحترام القانون والاتفاقيات الدولية خلال استقبال العائدين أو التدخل لضبط الوضع، وتجنب استعمال العنف وضمان حقوق الأشخاص وسلامتهم.
وتخفف العودة الطوعية الضغط عن سبتة المحتلة، لكنها لا تحسم مصير القاصرين والواصلين سباحة، الذين يضعهم القانون الإسباني تحت مساطر حماية وإعادة فردية لا تسمح بترحيلهم ضمن عمليات جماعية.







