في الكوارث، لا يكفي أن تصدر المعلومة في الوقت المناسب؛ ينبغي أن تصل إلى السكان بلغة يفهمونها وأن تقودهم إلى تصرف واضح. هذا ما تضعه دراسة حديثة في قلب النقاش، بعدما قالت 74.2 في المائة من 62 امرأة أمازيغية شملهن البحث إنهن لم يتلقين معلومات مرتبطة بزلزال الحوز بلغة مفهومة بالنسبة إليهن.
ولا تتعلق النتيجة بصعوبة لغوية مجردة. فقد ربطت المشاركات غياب المعلومة المفهومة بالارتباك والقلق، وبصعوبة اتباع تعليمات السلامة والوصول إلى الموارد والتنسيق للحصول على المساعدة، خلال الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز ومناطق مجاورة سنة 2023 وما أعقبه من مرحلة تعاف وإعادة بناء.
وردت هذه الخلاصات في دراسة بعنوان ““‘Natural’ Disaster, Unnatural Linguicism: Are Amazigh Women’s Voices Heard during the 2023 Al Haouz Earthquake in Morocco?””، أعدها الباحثان لهو البورخيسي وخالد الحسيني.
واعتمد الباحثان استبياناً مقطعياً يجمع بين الأسئلة المغلقة والمفتوحة، وشارك فيه 62 امرأة أمازيغية. وحُللت الإجابات الكمية باستعمال التكرارات والنسب واختبارات الارتباط والانحدار، فيما استُعمل برنامج NVivo لاستخراج الموضوعات المتكررة في الأجوبة المفتوحة، وبينها عوائق اللغة وصعوبات التعافي ومقترحات جعل الدعم أكثر استجابة لاحتياجات المتضررات.
وتستعمل الدراسة مفهوم «التمييز اللغوي في الكوارث» لوصف وضع لا تكون فيه فرص الوصول إلى المعلومة الحيوية متساوية بين من يفهمون اللغة المهيمنة في البلاغات والإجراءات ومن لا يفهمونها بالدرجة نفسها.
ولا يفترض المفهوم بالضرورة أن كل موظف أو متدخل يتعمد الإقصاء. فقد ينشأ الحاجز من اختيار لغة واحدة للبلاغ، أو غياب مترجمين، أو استعمال تعليمات معقدة، أو تصميم مساطر تفترض مسبقاً أن المتضررين يستطيعون القراءة والفهم والتواصل باللغة نفسها.
لهذا يضع عنوان الدراسة كلمة «طبيعية» بين علامتي تنصيص. فالزلزال ظاهرة طبيعية، لكن مقدار الضرر الذي يلحق بكل فئة لا تحدده قوة الهزة وحدها. وتؤثر فيه أيضاً حالة الطرق والسكن والوصول إلى الصحة والمساعدة، إضافة إلى قدرة الشخص على فهم التحذير، ومعرفة مكان الإيواء، واستكمال طلب الدعم وشرح حاجته للجهة التي تتولى الإغاثة.
أبرز رقم في البحث هو نسبة 74.2 في المائة، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة. فهو يخص المشاركات الاثنتين والستين في الدراسة، ولا يمثل جميع نساء الحوز أو كل الناطقات بالأمازيغية في المغرب. ومع ذلك، يمنح الرقم مؤشراً يستحق الفحص الميداني، لأن النتيجة لا تقيس تفضيلاً ثقافياً للغة فحسب، بل تمس وظيفة المعلومة وقت الخطر.
وبحسب إجابات المشاركات، أدى نقص التواصل المفهوم إلى صعوبة أكبر في متابعة تعليمات السلامة والوصول إلى الموارد وتنسيق المساعدة. كما سجلت الدراسة تقييماً سلبياً لتوافر المعلومات والرضا عن سهولة الوصول إليها لغوياً، ومدى مراعاة التنوع اللغوي في الاستعداد للكوارث والاستجابة لها.
وتكشف الأجوبة المفتوحة أن المشكلة لم تنته بانتهاء ساعات الإنقاذ الأولى. فقد ظهرت اللغة مجدداً خلال مرحلة التعافي، إلى جانب ضغوط إدارية واجتماعية مرتبطة بإجراءات إعادة البناء، ومخاوف الانتقال من مناطق السكن، وانتظار أن تتكيف المتضررات مع لغة المؤسسات عوض تكييف الخدمة مع لغات السكان.
هذه الخلاصة توسع معنى «معلومة الكارثة». فهي لا تقتصر على تحذير عاجل يخبر السكان بمغادرة مكان أو تجنب طريق، بل تشمل أيضاً شرح شروط الاستفادة من المساعدة، والوثائق المطلوبة، ومراحل إصلاح المساكن، ومواعيد اللجان، وطرق الاعتراض، وخدمات الصحة والدعم النفسي.
وإذا وصل جزء من هذه السلسلة بلغة غير مفهومة، فقد يتعطل الوصول إلى الحق حتى لو كانت المساعدة موجودة من الناحية الإدارية.
ولا تختزل المشاركات احتياجاتهن في الترجمة وحدها. فقد دعت توصياتهن، كما نقلتها الدراسة، إلى استعمال التنوعات الأمازيغية في التواصل، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتحسين النقل والطرق، وتقريب الخدمات الصحية، وتسريع إعادة بناء المساكن، وجعل المساعدة الاجتماعية أكثر إنصافاً.
وتكتسي الإشارة إلى «التنوعات الأمازيغية» أهمية عملية. فإضافة نص بالأمازيغية المعيارية أو بحرف تيفيناغ لا تضمن وحدها أن تفهمه جميع الفئات، ولا سيما من يعتمدون التواصل الشفهي أو لا يقرأون الحرف المستعمل في الإعلان.
وقد تحتاج رسالة الطوارئ إلى نسخة مسموعة بالتنوع المحلي، وصياغة قصيرة قابلة للتذكر، ورقم اتصال يجيب باللغة نفسها، إلى جانب النصوص العربية والفرنسية والأمازيغية المكتوبة.
لكن نتائج الدراسة لا تسمح بالقول إن اللغة كانت السبب الوحيد في كل صعوبة واجهتها المشاركات. فالبحث مقطعي ويعتمد على تجارب أبلغت عنها النساء بعد الكارثة، وليس تجربة تقارن مجموعتين تتساويان في كل شيء عدا لغة التواصل.
كما أن حجم العينة صغير ولا يقدم تقديراً ممثلاً للسكان، وقد تتداخل اللغة مع العزلة الجغرافية والأمية والدخل وحالة الطرق وتوافر الهاتف وشبكات الأسرة والقرية.
ولا تقيس الدراسة، في حد ذاتها، جميع الرسائل الرسمية التي صدرت بعد الزلزال، ولا تقارن بصورة شاملة بين مضمون كل بلاغ واللغات التي استُعملت فيه وعدد من وصل إليهم.
لذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها دليلاً على تجارب وعوائق أبلغت عنها عينة محدودة، ونقطة انطلاق لتدقيق أوسع، لا حكماً نهائياً على منظومة الاستجابة بأكملها.
ورغم أن البحث يخص الحوز ولا يقدم أي نتائج عن الحسيمة أو باقي مدن شمال المغرب، فإنه يطرح اختباراً مباشراً على مؤسسات تدبير المخاطر في الريف: هل تصدر تعليمات الزلازل والفيضانات والحرائق بتاريفيت، كتابة وصوتاً؟ وهل يستطيع شخص لا يقرأ العربية أو تيفيناغ أن يفهم الرسالة ويعرف ما المطلوب منه؟ وهل يوجد من يتواصل بتاريفيت في مراكز الإيواء وخطوط الهاتف ومساطر تسجيل المتضررين؟
ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بافتراض أن ما حدث في الحوز يتكرر حتماً في الريف. المطلوب هو قياس محلي يبدأ بجمع التحذيرات والبلاغات والملصقات والتسجيلات الصادرة عن السلطات والمصالح المختصة والجماعات والإذاعات خلال حوادث شهدها الشمال، ثم تصنيفها حسب اللغة والقناة ونوع الخطر والفئة المستهدفة.
بعد ذلك يمكن اختبار عينة من الرسائل مع متحدثات ومتحدثين بتاريفيت، خصوصاً النساء في القرى وكبار السن والأشخاص محدودي القراءة. ولا ينبغي أن يقتصر الاختبار على سؤالهم إن كانوا «يفهمون» الرسالة، بل يقيس ما استوعبوه فعلياً: أين ينبغي أن يذهبوا؟ ما الوثائق المطلوبة؟ ما السلوك الذي يجب تجنبه؟ وأي رقم ينبغي الاتصال به؟
كما يتطلب التحقيق مقابلات مع الوقاية المدنية والسلطات الصحية والمحلية، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والإذاعات الجهوية، والجمعيات النسائية، والمسؤولين عن خطوط المساعدة.
والهدف ليس إحصاء عدد الكلمات الأمازيغية في البلاغات، بل معرفة ما إذا كانت منظومة التواصل كاملة، من التحذير الأول إلى طلب التعويض أو الدعم، قابلة للاستعمال باللغة التي يفهمها المتضرر.
تقدم دراسة الحوز رقماً لافتاً، لكنها تطرح سؤالاً أهم من الرقم نفسه: ما قيمة المعلومة إذا صدرت ولم تتحول إلى فهم وفعل؟
ففي إدارة الكوارث، لا يُقاس نجاح التواصل بعدد البلاغات المنشورة فقط، بل بعدد الأشخاص الذين فهموا الخطر، وعرفوا الخطوة التالية، واستطاعوا الوصول إلى المساعدة من دون أن تصبح لغتهم عائقاً إضافياً في لحظة الخطر.







