تلقي التداعيات السياسية لملف الهجرة بظلالها الثقيلة على المشهد الانتخابي في إسبانيا، حيث يواجه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز تحديات جمة في مساعيه للحفاظ على السلطة وتأمين أغلبية برلمانية خلال الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في التاسع والعشرين من نونبر المقبل.
وتتمركز هذه التحديات بشكل خاص حول تدبير الحكومة المركزية للأحداث التي شهدتها مدينة سبتة أواخر شهر يوليوز الماضي، والتي أفرزت حالة من الاحتقان الشعبي والتجاذب الحزبي إثر التدفق الاستثنائي للمهاجرين.
وتسود حالة من التذمر العميق في أوساط ساكنة المدينة البالغ تعدادها قرابة ثمانين ألف نسمة، إزاء ما يعتبرونه تخليا من طرف مدريد عن مسؤولياتها.
وتتجلى هذه الخيبة في مواقف متطابقة لعدد من المواطنين من مختلف المشارب والديانات، الذين يجمعون على الشعور بالتهميش بعد انقضاء أشهر على الأزمة، معربين عن استيائهم من غياب حلول حكومية سريعة واستمرار حالة الجمود التي تخيم على الأوضاع المحلية للمهاجرين الذين ظلوا عالقين هناك بظروف صعبة.
وفي سياق هذه التجاذبات، تجد الأحزاب اليمينية، وتحديدا الحزب الشعبي المعارض الذي يدبر الشأن المحلي بسبتة منذ أزيد من ربع قرن، وحزب “فوكس” المتطرف، أرضية خصبة لاستمالة الناخبين الغاضبين وتوجيه انتقادات لاذعة لسياسات السلطة التنفيذية.
وقد تجسد هذا الاستغلال الانتخابي في الزيارات المتتالية لزعماء هذه التشكيلات السياسية إلى المدينة لتقديم وعود بإعادة الاستقرار، متهمين التحالف اليساري الحاكم باتباع نهج متساهل في قضايا الهجرة وتسوية وضعيات الأجانب.
من جهة أخرى، وفي مواجهة بعض الأصوات والتحليلات السياسية التي حاولت إضفاء طابع جيوسياسي على هذه الأحداث عبر الترويج لفرضيات هجمات هجينة أو ربطها بمسائل السيادة، برز موقف رسمي واضح من قبل كل من مدريد والرباط يرفض بشكل قاطع هذه الاتهامات. ويفند هذا الموقف المشترك المساعي الرامية إلى توظيف ملف الهجرة ذي الأبعاد الإنسانية في أزمات دبلوماسية.
وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى تقييم سلبي لنسبة كبيرة من الإسبان لأداء الحكومة في أزمة سبتة، إلا أن الدينامية الانتخابية بدأت تأخذ منعرجا جديدا في الآونة الأخيرة. فقد ساهمت الأزمة الخانقة في قطاع الإسكان وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية عقب حوادث إفراغ قسري بمدريد، في إعادة توجيه النقاش العام نحو القضايا الاجتماعية والاقتصادية كنظام التقاعد.
هذا التحول، الذي تدعمه أحزاب اليسار، قد يمنح التحالف الحكومي الحالي متنفسا سياسيا جديدا، غير أنه يثير في المقابل مخاوف جدية لدى ساكنة سبتة من تراجع ملف مدينتهم إلى مراتب ثانوية في الأجندة السياسية الإسبانية والأوروبية.







