كما في كل صباح، يفتح سوق “كاساباراطا” أبوابه على إيقاع حركة لا تهدأ، تحت الأسقف المعدنية ذاتها والممرات الضيقة نفسها، في مشهد لم يتغير رغم مرور 27 شهرا على المصادقة على مشروع لإعادة هيكلته بغلاف مالي يناهز 500 مليون درهم.
فداخل هذا الفضاء السوسيواقتصادي، الذي يعد الأكبر من نوعه في شمال المغرب، تتحرك الجموع بصعوبة بالغة وسط ممرات ازدادت ضيقا مع تراكم البضائع التي زحفت تدريجيا نحو الوسط.
ويستمر النشاط التجاري الكثيف دون انقطاع، وكأن الزمن توقف عند حدود السوق، غير أن البنية المتهالكة التي تحتضنه لم تعرف أي تحول ملموس منذ توقيع اتفاقية الشراكة في أكتوبر 2023، والتي كانت قد حددت أفق 2028 موعدا نهائيا لانتهاء الأشغال.
وتكشف المعاينة الميدانية في يناير 2026 أن السوق لا يزال يعمل وفق منطق “اليوم بيومه”، ببنيات عشوائية يغلب عليها القصدير المتآكل والأخشاب القديمة سريعة الاشتعال.
وفوق رؤوس المتسوقين والتجار، تمتد شبكات كهرباء مكشوفة في تمديدات معقدة، ما يعيد إلى الواجهة مخاوف جدية مرتبطة بالسلامة العامة، لا سيما في فضاء سبق أن اكتوى بنيران حرائق تسببت في خسائر مادية فادحة.
اقتصاد السيولة ومخاطر “المؤقت”
وفي هذا السياق، يقول تاجر يزاول نشاطه في السوق منذ سنوات، بنبرة يطبعها الاستسلام للواقع: “نشتغل في نفس الظروف منذ مدة طويلة. المشروع مطروح في الأوراق، لكن في الواقع لم نر أي تغيير على الأرض”.
ولا يقتصر القلق على ضيق المساحات وحده، بل يمتد أيضا إلى المخاطر المرتبطة بالاكتظاظ والربط الكهربائي غير المنظم الذي يشكل هاجسا يوميا.
ويضيف تاجر آخر مختص في بيع الأجهزة الكهربائية، وهو يشير إلى الأسلاك المتدلية: “الاكتظاظ والربط الكهربائي العشوائي يطرحان مخاطر حقيقية، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، حيث يصبح السوق أشبه بفرن مغلق”.
وبين صفوف المحلات المتلاصقة التي يناهز عددها 4550 محلا، لا يكاد يمر متر واحد دون أن تعترض طريق الزائر بضاعة مكدسة أو صندوق مفتوح يعرض سلعا متنوعة.
أكياس بلاستيكية صغيرة تنتقل بسرعة من يد إلى أخرى، بينما تجرى الحسابات شفويا وبسرعة فائقة، في غياب تام للفواتير أو أجهزة الأداء الإلكتروني، ما يرسخ وضعية السوق كقطب لاقتصاد غير مهيكل يعتمد على السيولة الفورية.
ويقول تاجر في سوق الجملة، وهو يراقب الحركة الدؤوبة من خلف طاولة خشبية متهالكة: “كل شيء هنا يتم نقدا. الزبون يأتي، يشتري، ويمضي. لا مجال للتعقيدات الإدارية”.
وعلى امتداد هذه الصفوف، تتجاور محلات بيع الأجهزة الإلكترونية الحديثة مع الأثاث المستعمل وقطع الغيار، في خليط تجاري فريد يجعل من السوق نقطة جذب يومية لآلاف المتعاملين القادمين من داخل طنجة وخارجها.
وفي إحدى الزوايا الضيقة، يخرج زبون يحمل صندوقا كبيرا بصعوبة بالغة دون أن يتوقف عند أي نقطة أداء رسمية. يعلق تاجر آخر مبتسما وهو يتابع المشهد: “الناس تعرف بعضها. الثقة هي الأساس هنا”. هذا المشهد البسيط يلخص طبيعة تدفقات مالية ضخمة وسريعة لا تترك أثرا ماديا موثقا، في سوق يعتمد بشكل واسع على “الكاش” والعلاقات الشخصية المباشرة.
جمود إداري واختناق مروري
وغير بعيد عن هذا الركن الذي يعج بالحياة، تتكدس سيارات الزبائن والنقل فوق الأرصفة المحيطة بالسوق في فوضى عارمة. محركات متوقفة وأخرى تدور وتطلق عوادمها في انتظار فسحة مرور ضيقة.
هذا الضغط المروري الخانق يرافقه حديث متكرر ومحبط بين التجار عن المرآب تحت الأرضي الذي وعد به المشروع كحل جذري لمعضلة الوقوف.
يقول أحد التجار وهو يشير بيده إلى الشارع المكتظ بالمركبات: “قالوا إن المرآب سيحل المشكلة، لكنه يحتاج حفرا عميقا وتقنيات معقدة. لا نرى أي استعداد لذلك حتى الآن”.
وبالفعل، فإن إنجاز مرآب بطاقة استيعابية تصل إلى 1779 مكانا لركن السيارات، كما تنص عليه بنود الاتفاقية، يفترض إطلاق أشغال تمهيدية واسعة ومعقدة لتحويل شبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل قبل الشروع في عملية الحفر الفعلي.
غير أن الجولة في محيط السوق لا تظهر، إلى حدود الساعة، أي مؤشرات على تدخل فرق تقنية أو شركات تدبير مفوض للقيام بهذه العمليات الحيوية، مما يعزز الشكوك حول وتيرة الإنجاز.
وداخل السوق، يعود الحديث مجددا وبإلحاح إلى سؤال “المرحلة الانتقالية” الذي يؤرق المهنيين. التجار يتبادلون التكهنات والشائعات حول سيناريوهات “الترحيل” و”إعادة الإيواء”، لكن دون الحصول على أجوبة رسمية واضحة.
ويتساءل أحدهم بقلق ظاهر: “أين سنذهب إذا بدأ الهدم؟ نسمع عن المشروع، لكن لا نعرف كيف سيتم تنفيذه علينا، وهل ستتوقف أرزاقنا”.
ويتغذى هذا الغموض أيضا من غياب إشارات إدارية ملموسة تطمئن المهنيين. فحسب ما يظهر من المعطيات المتاحة للعموم، لا تتضمن منصات الصفقات العمومية، إلى حدود يناير 2026، أي إعلانات تخص أشغال الهندسة المدنية الكبرى للمشروع.
وبلغة المساطر الإدارية الصرفة، يعني ذلك أن مرحلة اختيار المقاولات وإسناد الصفقات لم تنطلق بعد، مما يضع علامات استفهام كبرى حول الجدولة الزمنية.
وفي موازاة ذلك، يطرح عامل الزمن تحديا ماليا لا يستهان به؛ فالغلاف المرصود والمحدد في 500 مليون درهم، أعد بناء على تقديرات ودراسات تعود إلى سنة 2023، بينما قد تؤثر تطورات أسعار مواد البناء وتكاليف اليد العاملة خلال سنوات التأخير على الكلفة النهائية للمشروع أو قد تفرض مراجعة لبعض اختياراته التقنية.
وأمام هذا الوضع الضبابي، يستمر السوق في العمل وفق توازن هش يحكمه الأمر الواقع. تجار يجرون إصلاحات محدودة وترقيعية بوسائل ذاتية خوفا من المجهول، وزبائن يتنقلون وسط زحام دائم بحثا عن الفرص، فيما تتابع السلطات الوضع دون مؤشرات معلنة على انتقال وشيك إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
ولم يصدر، إلى حدود اللحظة، أي توضيح رسمي من طرف جماعة طنجة أو الجهات المعنية يفسر أسباب عدم انطلاق الأشغال أو يقدم جدولة زمنية محينة للمشروع.
وهكذا، وبين نشاط تجاري صاخب لا يتوقف ومشروع إعادة هيكلة ما يزال حبيس الوثائق المصادق عليها، يظل سوق “كاساباراطا” عالقا في منطقة وسطى: فضاء اقتصادي نابض بالحياة يصارع داخل بنية متقادمة، وخطة تأهيل طموحة تنتظر منذ 27 شهرا أن تتحول من التزام إداري على الورق إلى ورش فعلي يغير وجه المكان.







