تنتقل أزمة النقل الحضري في محور طنجة-تطوان من نقص الأسطول إلى سؤال أكثر تعقيدا: قدرة السلطات المفوضة على مراقبة الخدمة اليومية بعد ضخ تمويل عمومي واسع في الحافلات والتجهيزات.
جاء إعلان الشراكة بين “ستيام” و”ترانسديف المغرب” داخل كياني “إيصال طنجة” و”إيصال تطوان” ليكرس هذا التحول. فالمعادلة الجديدة تمنح السلطات دور الممول والمنظم، وتترك للمشغلين مهمة الاستغلال ضمن عقود طويلة، بعد تجارب تدبير مفوض عرفت تعثرات في مدن مغربية عدة.
تمتد الشراكة لعشر سنوات، بحصة 51 في المائة لـ”ستيام” و49 في المائة لـ”ترانسديف المغرب”، بعد موافقة مجلس المنافسة على العملية باعتبارها تركيزا اقتصاديا.
وتندرج العملية ضمن برنامج وطني لتحديث النقل الحضري بالحافلات بين 2025 و2029، بغلاف يبلغ 11 مليار درهم، يشمل اقتناء 3746 حافلة لفائدة 37 سلطة مفوضة، إلى جانب تجهيزات للتذاكر والتتبع وإعلام المستعملين.
هذه الأرقام تمنح المشروع حجمه، لكنها لا تكفي لتقييم الخدمة. فالمرفق اليومي يقاس بأمور أقل حضورا في البلاغات: انتظام الخطوط، مدد الانتظار، الرحلات غير المنجزة، الأعطاب، توقيت آخر الحافلات، وسرعة معالجة الشكايات.
تعمل “إيصال طنجة” منذ ديسمبر 2025 لفائدة مؤسسة التعاون بين الجماعات “البوغاز” وشركة التنمية المحلية “طنجة موبيليتي”، بأسطول يضم 216 حافلة، يفترض أن يرتفع لاحقا إلى 323 مركبة، بينها حافلات ذات مستوى عال من الخدمة.
سيظهر أثر ذلك خصوصا في أحياء كثيفة مثل بني مكادة وبوخالف والعوامة ومسنانة ومغوغة، حيث لا يهم السكان عدد الحافلات المعلن بقدر ما تهمهم قدرة الشبكة على تقليص الانتظار وضمان رحلات منتظمة خلال ساعات الذروة.
أما تطوان، المدرجة في الصيغة نفسها، فتستهدف بلوغ أسطول من 194 حافلة. ويرتبط التحدي هناك بربط المركز بالمناطق السكنية والجامعية والمحيط الحضري، ضمن شبكة لا يمكن الحكم عليها من دون بيانات منشورة حول الترددات ونسب الأعطاب والرحلات المنجزة فعليا.
تكشف الشراكة أيضا تحولا في موقع الفاعلين. توسع “ستيام” حضورها من النقل الطرقي بين المدن إلى عقود حضرية منظمة، بينما تحصل “ترانسديف المغرب” على موقع مباشر داخل سوق يعاد ترتيبه تحت تمويل وإشراف عموميين.
لكن الجزء الأقل وضوحا يبقى الأهم. فالإعلان يحدد تركيبة الرأسمال ومدة الشراكة وحجم الأسطول، لكنه لا يوضح كلفة التشغيل، ولا طريقة احتساب أجر المشغل، ولا توزيع مخاطر الاستغلال، ولا نظام الجزاءات عند الإخلال بالتزامات الخدمة.
من هنا يتحول نجاح النموذج إلى اختبار للمؤسسات المحلية أكثر منه اختبارا للمشغلين وحدهم. فالمغرب يستطيع شراء حافلات جديدة، لكن جودة النقل ستتحدد بقدرته على تتبع ما يحدث بعد دخولها الخدمة: هل تمر في موعدها؟ هل تكفي في ساعات الذروة؟ هل تغطي الأحياء الأكثر ضغطا؟ وهل تنشر السلطات مؤشرات تسمح للمواطنين بقياس التحسن بدل الاكتفاء بأرقام الاستثمار؟







