يفرض الاستقطاب الهجومي نفسه على المشهد الانتخابي في مدينة طنجة، قبل نحو ستة أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، بعدما تجاوزت الأحزاب الكبرى مرحلة حسم وكلاء لوائحها، لتنتقل إلى تحركات تستهدف انتزاع منتخبين وشبكات محلية من خصومها.
ومع استقرار أسماء أبرز المتنافسين في دائرة طنجة أصيلة، اتجهت الأحزاب إلى ما هو أبعد من ترتيب اللوائح، عبر البحث عن منتخبين يملكون حضورا داخل الجماعات والمقاطعات وقواعد محلية سبق أن اشتغلت لصالح أحزاب أخرى.
ويقود حزب الأصالة والمعاصرة هذا السباق حتى الآن، عبر اتصالات تستهدف خصوصا رؤساء جماعات ومستشارين محليين يتوفرون على امتدادات انتخابية قائمة.
وخلال الأيام الأخيرة، بدأ حزب الاستقلال يتحرك في الاتجاه نفسه، مستهدفا ضمن اتصالاته أسماء محسوبة على التجمع الوطني للأحرار.
وبعد أشهر انشغلت فيها التنظيمات الحزبية بحسم المرشحين، انتقلت المنافسة إلى سؤال آخر، أي حزب سيصل إلى الحملة وقد نجح في توسيع قاعدته خارج حدوده الأصلية، وأي حزب سيخسر جزءا من شبكته لصالح منافسيه.
هجوم على شبكات الخصوم
وكان “البام” الأسرع إلى هذا النوع من التحرك. فبعد حسم عبد اللطيف الغلبزوري وكيلا للائحته في دائرة طنجة أصيلة، فتحت قيادته الإقليمية قنوات مع منتخبين ينتمون إلى أحزاب مختلفة، قبل أن تجمع منتصف يوليوز رؤساء جماعات ومستشارين من الاتحاد الدستوري والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، لبحث انتقال بعضهم إلى صفوفه.
ولا تتوقف أهمية هذه الاتصالات عند عدد الأسماء المستهدفة، إذ يتعلق بعضها بمنتخبين يتحركون داخل كتل من المستشارين ويملكون حضورا في جماعات ودوائر محلية، بما يجعل انتقالهم المحتمل مدخلا إلى أصوات ظلت في الاستحقاقات السابقة محسوبة على خصوم الحزب.
ويسعى “البام” بذلك إلى دخول الحملة بخريطة أوسع من تلك التي خرج بها من انتخابات 2021، مستفيدا من الفترة الفاصلة عن الاقتراع لاختراق مناطق نفوذ انتخابية قبل بدء المواجهة المباشرة على أصوات الناخبين.
وخلال الأيام الأخيرة، دخل حزب الاستقلال بدوره هذا السباق. فبعد تثبيت النائب البرلماني محمد الحمامي على رأس لائحته، وسع الحزب تحركاته من تعبئة هياكله في بني مكادة ومغوغة وبقية مناطق طنجة إلى التواصل مع شخصيات من خارج صفوفه.
وتشمل هذه الاتصالات أسماء مرتبطة بالتجمع الوطني للأحرار، بما يشير إلى أن الاستقلال لم يعد يكتفي بالحفاظ على القاعدة التي خاض بها انتخابات 2021، بل يحاول إضافة شبكات جديدة إليها قبل موعد الاقتراع.
ويستند الحمامي في هذا التحرك إلى موقعه نائبا برلمانيا ورئيسا لمقاطعة بني مكادة، أكبر المقاطعات الحضرية في طنجة، وإلى حضور تنظيمي وانتخابي حافظ عليه منذ الاستحقاق السابق.
وهكذا، لم يعد “الأصالة والمعاصرة” وحده يتحرك داخل مناطق خصومه. فالاستقلال دخل بدوره مرحلة الاستقطاب الهجومي، لتصبح المنافسة بين أبرز أحزاب الأغلبية الحكومية في طنجة مفتوحة على محاولة كل طرف اقتطاع جزء من قاعدة الآخر.
الأحرار تحت الضغط
ويضع هذا التحرك التجمع الوطني للأحرار أمام معادلة مختلفة. فالحزب حسم عبد الواحد بولعيش وكيلا للائحته خلفا لعمر مورو، لكن تحركاته المعلنة تركز حتى الآن على تعبئة التنظيم وترتيب الصفوف، في وقت يتحرك فيه منافساه باتجاه منتخبين من خارج قواعدهما.
ولا يعني ذلك أن “الأحرار” فقد وزنه في طنجة، إذ يحتفظ بمواقع مؤسساتية مهمة محليا وجهويا، لكن عليه هذه المرة حماية جزء من شبكته في الوقت نفسه الذي يعيد فيه تجميعها حول وكيل جديد.
ويكتسب ذلك أهمية أكبر بسبب التقارب الذي طبع نتائج دائرة طنجة أصيلة سنة 2021، حيث لم تفصل بين عدد من الأحزاب الرئيسية سوى هوامش محدودة، ما يرفع قيمة أي انتقال يحمل معه كتلة من الأصوات أو مجموعة من المنتخبين المحليين.
كما لم تعد الخريطة التي أفرزها اقتراع 2021 قائمة كما كانت. فمحمد الزموري، الذي تصدر نتائج الدائرة آنذاك باسم الاتحاد الدستوري، انتقل إلى الحركة الشعبية، حاملا معه إلى موقع حزبي جديد رصيدا انتخابيا وشبكات محلية ساهمت في صدارة حزبه السابق.
ويعني ذلك أن نتائج 2021 لم تعد مرجعا كافيا لقياس القوة الحالية للأحزاب، بعدما تغيرت مواقع شخصيات رئيسية، وتبدل عدد من وكلاء اللوائح، وبدأت شبكات محلية تتحرك بين التنظيمات قبل أسابيع من الاقتراع.
لذلك، لم يعد حسم وكلاء اللوائح هو الخبر الأبرز في طنجة. الأسماء أصبحت معروفة إلى حد كبير، بينما تدور المواجهة الحالية حول من يستطيع أن يدخل الحملة وقد أضاف إلى قوته جزءا من قوة خصومه.
وفي هذا السباق، سبق الأصالة والمعاصرة إلى فرض منطق الاستقطاب الهجومي، ولحق به الاستقلال خلال الأيام الأخيرة، فيما يواجه التجمع الوطني للأحرار اختبار الحفاظ على شبكة باتت هدفا مباشرا لتحركات منافسيه.







