تجمع دائرة شفشاون في انتخابات 23 شتنبر بين استمرارية واضحة في مقعدين وتغيير كامل في واجهتي المقعدين الآخرين. فمتصدر اقتراع 2021 ووصيفه يعودان للدفاع عن موقعيهما، بينما اختار الحزبان اللذان حصلا على المركزين الثالث والرابع مرشحين جديدين، في وقت تعود فيه أسماء مجربة إلى السباق بعدما غير بعضها ألوانه الحزبية.
وتمنح هذه التركيبة المنافسة طابعا مختلفا عن مجرد سعي أربعة أحزاب إلى الاحتفاظ بتمثيلها السابق. فجزء من معركة 2026 يتعلق بقدرة المرشحين العائدين على حماية أرصدتهم، وجزء آخر بقدرة الأحزاب على نقل أصواتها من وكيل إلى آخر، بينما تراهن قوى خرجت من البرلمان قبل خمس سنوات على منتخبين محليين ومسارات انتخابية سابقة للعودة إلى الرباعية.
وتزيد الطبيعة الترابية لإقليم شفشاون من تعقيد هذه الحسابات. فالدائرة لا تختصر في مركز حضري واحد، بل تتوزع كتلتها الانتخابية على مجال قروي واسع وجماعات تختلف فيها موازين الأحزاب وشبكات المنتخبين، وهو ما يجعل موقع المرشح داخل التنظيم المحلي عاملا لا يقل وزنا عن النتيجة التي حققها حزبه في الاستحقاق السابق.
نتائج 2021
ومنحت انتخابات 2021 التجمع الوطني للأحرار صدارة مريحة بعدما جمع عبد الرحمان العمري 31 ألفا و794 صوتا، متقدما بأكثر من عشرة آلاف صوت على الأمين البقالي الطاهري، الذي حل ثانيا باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ20 ألفا و928 صوتا.
وحصل الأصالة والمعاصرة على المقعد الثالث بواسطة عبد الرحيم بوعزة بـ18 ألفا و776 صوتا، بينما أغلق إسماعيل البقالي رباعية الفائزين باسم حزب الاستقلال بـ16 ألفا و157 صوتا.
وإذا كانت المرتبة الأولى قد ابتعدت نسبيا عن بقية المنافسين، فإن المسافة بين أصحاب المقاعد الثلاثة التالية ظلت أضيق بكثير. فقد فصل أقل من خمسة آلاف صوت بين المركز الثاني والرابع، ما ترك مساحة أوسع لإعادة ترتيب هذه المواقع إذا تغير وزن المرشحين أو توزع التصويت بصورة مختلفة.
كما حمل اقتراع 2021 تحولا واضحا قياسا بسنة 2016. فالحركة الشعبية والاتحاد الدستوري فقدا المقعدين اللذين كانا يشغلانهما، بينما دخل التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي إلى رباعية الفائزين، في حين حافظ الأصالة والمعاصرة والاستقلال على وجودهما رغم تغير بعض الوجوه.
2016.. أسماء تعبر الأحزاب
وتكشف العودة إلى انتخابات 2016 أن جزءا من خريطة شفشاون الحالية سبق أن مر من صناديق الاقتراع، لكن تحت رايات مختلفة.
فقد تصدر عبد الرحمان العمري ذلك الاستحقاق باسم الحركة الشعبية بـ13 ألفا و998 صوتا، وجاء توفيق الميموني ثانيا عن الأصالة والمعاصرة بـ13 ألفا و675 صوتا، ثم إسماعيل البقالي عن الاستقلال بـ11 ألفا و144 صوتا، فيما حصل عبد الله العلوي على المقعد الرابع للاتحاد الدستوري بـ10 آلاف و281 صوتا.
كان الفارق بين الأول والرابع حينها أقل من أربعة آلاف صوت، وهي صورة مختلفة عن التباعد الذي صنعته صدارة الأحرار في 2021.
أما التحول الأبرز فحمله العمري نفسه. فقد انتقل من الحركة الشعبية إلى التجمع الوطني للأحرار، ولم يحافظ على مقعده فقط، بل رفع رصيده بأكثر من الضعف، من نحو 14 ألف صوت إلى قرابة 32 ألفا، ليصبح انتقاله الحزبي واحدا من أكثر التحولات تأثيرا في ترتيب الدائرة.
واحتفظ الاستقلال بإسماعيل البقالي بين الاستحقاقين، بينما غير “البام” مرشحه من توفيق الميموني إلى عبد الرحيم بوعزة. أما الاتحاد الاشتراكي، الذي بقي خارج المقاعد سنة 2016، فقد قفز بعد خمس سنوات إلى المركز الثاني بواسطة الأمين البقالي الطاهري.
ما تغير في 2026
هذه المرة لا تعود رباعية 2021 كاملة بأشخاصها. فالتجمع الوطني للأحرار يحافظ على عبد الرحمان العمري، بما يعني أن الحزب يدخل السباق بصاحب أعلى رصيد سجلته الدائرة في الاقتراع السابق، فيما يتمسك الاتحاد الاشتراكي بالأمين البقالي الطاهري، صاحب المركز الثاني.
أما الأصالة والمعاصرة فيغير وكيل لائحته ويقدم عبد الحفيظ المكوتي مكان عبد الرحيم بوعزة. ولا يأتي المكوتي من خارج الخريطة المحلية، فهو رئيس جماعة باب برد، لكن دخوله السباق تحت راية “البام” يحمل بدوره أثرا واضحا للترحال السياسي، بعدما كان ضمن صفوف التجمع الوطني للأحرار.
وهذا الانتقال يمنح المنافسة داخل الإقليم بعدا إضافيا، لأن “البام” لا يعوض نائبا سابقا بوجه بلا امتداد محلي، بل يستقطب منتخبا يقود واحدة من جماعات الإقليم وكان جزءا من البنية المحلية لمنافسه المتصدر في 2021.
الاستقلال يغير بدوره واجهة المقعد الذي احتفظ به خلال استحقاقين متتاليين. فبعد إسماعيل البقالي، اختار الحزب أحمد أمين المتيوي، كاتب مجلس إقليم شفشاون ومستشار جماعة بني أحمد الشرقية، في محاولة للحفاظ على المقعد مع تجديد المرشح الذي يدافع عنه.
ويختلف هذا التغيير عن حالة “البام” في كون الاستقلال يحاول نقل رصيد مقعد ظل مستقرا نسبيا داخل الحزب نفسه، بينما يراهن الأصالة والمعاصرة على منتخب قادم من منافس مباشر وله قاعدة محلية خاصة به.
العائدون يضغطون
وخارج الأحزاب الأربعة الفائزة في 2021، تبدو الحركة الشعبية من أبرز الراغبين في العودة إلى مجلس النواب بعد خسارتها مقعدها السابق.
ويتصدر المعتصم أمغوز لائحة “السنبلة”، وهو رئيس سابق لجماعة متيوة واسم سبق أن حضر في المنافسة المحلية تحت لون حزبي آخر، ما يجعل عودة الحركة الشعبية مختلفة عن الدفع بمرشح يبدأ من الصفر.
وتحمل هذه العودة مفارقة إضافية، لأن الحزب الذي تصدر شفشاون سنة 2016 بواسطة عبد الرحمان العمري يجد نفسه بعد عشر سنوات مطالبا بمنافسة العمري نفسه بعدما أصبح الأخير أحد أبرز وجوه الأحرار في الدائرة.
ويخوض العدالة والتنمية السباق بنبيل الشليح، محاولا استعادة حضور لم يمنحه مقعدا في الاستحقاقين الأخيرين، بينما يقدم التقدم والاشتراكية عبد ربه البخش، ويشارك تحالف اليسار بعبد الله الجوط.
وتجعل هذه الخريطة المقعدين اللذين تغير وكيلاهما أكثر حضورا في الحسابات، من دون أن يعني ذلك أن المقعدين الأول والثاني أصبحا محسومين. فالانتخابات السابقة أظهرت قدرة شفشاون على نقل الثقل بين الأحزاب وعلى مضاعفة أرصدة مرشحين انتقلوا من تنظيم إلى آخر، كما أظهرت أن الحضور داخل الجماعات يمكن أن يعيد ترتيب قوة اللوائح خلال دورة واحدة.
وفي 2026 تقف الدائرة أمام ثلاث حالات مختلفة في الوقت نفسه: مرشحان فازا في 2021 ويعودان مباشرة، حزبان يحاولان الاحتفاظ بمقعديهما بوجهين جديدين، وأحزاب خارجة من الرباعية تدفع بأسماء لها تجربة انتخابية أو امتداد محلي.
لهذا لا تبدو المسألة مجرد دفاع عن المقاعد الأربعة التي وزعت في 2021. السؤال الأكبر هو مقدار ما تستطيع الأحزاب الاحتفاظ به عندما يتغير المرشح، ومقدار ما يستطيع المرشح حمله معه عندما يغير الحزب.
وبين الاستمرارية والترحال وتجديد وكلاء اللوائح، تقدم شفشاون واحدة من الدوائر التي قد يكون فيها ترتيب الفائزين أكثر قابلية للتغيير من عدد الأحزاب القادرة فعليا على المنافسة على المقاعد الأربعة.







