لم تكن الأرقام الوطنية المتفائلة حول تحسن القدرة الشرائية للمغاربة خلال سنة 2024 مجرد مؤشرات رقمية صماء، بل وجدت صداها الملموس في الأسواق اليومية لمدينة طنجة، حيث تقاطعت زيادة المداخيل مع تراجع مرحلي في تكاليف المعيشة الأساسية، رغم الضغوط الموسمية التي فرضها قطاع التعليم والخدمات.
ففي الوقت الذي أكدت فيه المندوبية السامية للتخطيط، في بياناتها السنوية، انتعاش القدرة الشرائية للأسر بـ 5,1 نقاط، جاءت المؤشرات المحلية من عاصمة البوغاز لتقدم دليلا ملموسا على هذا التحسن، إذ سجلت المديرية الجهوية للتخطيط انخفاضا عاما في الرقم الاستدلالي للأثمان بنسبة 0,2 في المائة خلال شتنبر، ما يعني عمليا تخفيف العبء على الجيوب بالتزامن مع تعافي المداخيل.
وبدا هذا “التواطؤ الإيجابي” بين المؤشرات الوطنية والمحلية واضحا في قفة المعيشة اليومية؛ فبينما ارتفع إجمالي الدخل المتاح للأسر وطنيا بنسبة 6,7 في المائة، استفاد سكان طنجة من انخفاض محسوس في فاتورة الغذاء بنسبة 0,7 في المائة. وكان المحرك الرئيسي لهذا الانفراج هو تراجع أسعار “السمك وفواكه البحر” بـ 4,8 في المائة و”الفواكه” بـ 2,7 في المائة، إضافة إلى انخفاضات شملت الزيوت واللحوم، ما منح الأسر هامشا أكبر للادخار الذي سجل بدوره قفزة وطنية ناهزت 11,6 في المائة.
غير أن هذا المسار الإيجابي لم يخل من مطبات موسمية اختبرت ميزانيات الأسر الطنجاوية؛ ففي مقابل انخفاض كلفة النقل محليا بـ 1,5 في المائة (وهو قطاع حيوي للأسر)، التهمت تكاليف “الدخول الاجتماعي” جزءا من الزيادة في المداخيل، حيث قفزت أثمان التعليم في المدينة بنسبة 2,3 في المائة، وسارت الخدمات الترفيهية والمطاعم على نفس المنوال التصاعدي، وهو ما يفسر استمرار هيمنة الاستهلاك النهائي على نحو 89 في المائة من دخل الأسر.
وعلى المدى السنوي، تكشف القراءة المتقاطعة للأرقام عن إعادة تشكيل لأولويات الإنفاق؛ فبينما تظهر البيانات الوطنية تحسنا في الدخل الفردي ليبلغ 28.808 دراهم، يواجه المواطن في طنجة واقعا اقتصاديا متباينا، حيث تراجعت كلفة النقل سنويا بـ 3,1 في المائة، لكنه يضطر لدفع 4,6 في المائة أكثر في المطاعم والفنادق، مما يعكس تحول التضخم من المواد الأساسية (الغذاء) إلى قطاع الخدمات، في مشهد يلخص الدينامية الاقتصادية لعام 2024.







