بدأت ملامح العرض الانتخابي للأحزاب السياسية تتضح قبل اقتراع 23 شتنبر المقبل، حاملة معها حزمة من الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية التي تجد في عمالة طنجة أصيلة مجالا واسعا للاختبار، بالنظر إلى ثقلها السكاني والصناعي والسياحي، واستمرار الضغط على التشغيل والسكن والنقل والصحة والتعليم والماء.
ولا تتوفر، إلى حدود 30 غشت الجاري، وثائق انتخابية محلية متكاملة خاصة بالدائرة لدى معظم الأحزاب، فيما تسمح البرامج الوطنية التي جرى الكشف عنها، أو المرتكزات المعلنة قبل تقديمها رسميا، بتحديد جانب مهم من الأولويات التي ستجد طريقها إلى خطاب المرشحين بطنجة وأصيلة وأكزناية خلال الحملة الانتخابية.
وتظهر التنمية الترابية وتقليص الفوارق المجالية، إلى جانب التشغيل وجودة الخدمات، قاسما مشتركا بين معظم العروض؛ غير أن التفاصيل تختلف بين حزب يجعل المجال نقطة انطلاق، وآخر يدخل إلى خصوصيات طنجة من بوابة الصناعة أو الماء أو الاستثمار، بينما ما تزال تنظيمات سياسية أخرى تؤجل الكشف النهائي عن برامجها.
البام والاستقلال
يضع حزب الأصالة والمعاصرة التنمية الترابية في موقع متقدم ضمن البرنامج الذي أعده لخوض استحقاقات 2026، وهو معطى يمنح عرضه أهمية خاصة في دائرة طنجة أصيلة، التي تجمع داخل حدودها مجالات متفاوتة من حيث الكثافة السكانية والبنية الاقتصادية والضغط على التجهيزات.
وكان الحزب أنهى إعداد برنامجه بعد اشتغال مجموعات عمل متعددة، قبل عرضه على أجهزته التقريرية، مؤكدا أن الوثيقة لا تقتصر على السياسات القطاعية، بل تستحضر برامج التنمية الترابية المندمجة والعدالة المجالية، مع ترك هامش لتكييف الأولويات بحسب خصوصيات الجهات والأقاليم.
ويضع هذا التوجه لائحة الحزب بطنجة أصيلة أمام ملفات واضحة، تبدأ من التفاوت في الولوج إلى الخدمات بين أحياء طنجة والمراكز المحيطة بها، ولا تنتهي عند النمو العمراني بأكزناية وحاجيات أصيلة، مرورا بالنقل والصحة والتعليم وتأهيل الأحياء.
ولا يقدم “البام” إلى الآن لائحة مشاريع خاصة بالدائرة ضمن وثيقة مستقلة منشورة، لكن إدخال البعد الترابي صراحة في هندسة البرنامج يوفر أساسا يسمح بترجمة التوجهات الوطنية إلى مطالب محلية خلال الحملة، خصوصا أن الحزب يدبر جماعة طنجة ويتمتع بحضور منتخب داخل العمالة.
وبجانب الأصالة والمعاصرة، دخل حزب الاستقلال المرحلة الأخيرة قبل الحملة ببرنامج مفصل قدمه السبت 29 غشت تحت شعار “وطني.. مستقبلي”، واضعا خمسة محاور كبرى وميثاقا خاصا بالشباب ضمن عرضه للفترة 2026-2031.
ويقترب جزء من العرض الاستقلالي مباشرة من رهانات طنجة أصيلة، خاصة ما يتعلق بالماء، والخدمات العمومية، والسكن، والشغل، وتقوية الطبقة الوسطى، والسيادة الاقتصادية واللوجستية.
ويقترح الحزب اعتماد مقاربة تعطي أولوية للأمن المائي، إلى جانب تأمين الاحتياجات الاستراتيجية من الماء والطاقة والغذاء والدواء، وهي مسألة تتجاوز بعدها الاجتماعي في حالة طنجة إلى ارتباطها بالنمو العمراني واتساع النشاط الصناعي والطلب المتزايد على الموارد.
كما يتضمن البرنامج إحداث أسطول تجاري وطني عبر شركة للملاحة التجارية بهدف نقل جزء من الواردات الاستراتيجية، فضلا عن إجراءات لتقوية المرفق العمومي وإحداث وكالة وطنية للمستعجلات وخريطة صحية جهوية موحدة.
ويحمل هذا الجانب خصوصية بالنسبة إلى طنجة، حيث يلتقي النشاط المينائي واللوجستي مع قاعدة صناعية مرتبطة بالتصدير والاستيراد، بينما تضع التحولات الديمغرافية المستشفى والنقل والسكن أمام طلب متزايد.
ويطرح الحزب كذلك برنامج “آفاق” للشباب، الذي يستهدف عدم ترك أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر، إلى جانب إجراءات لتيسير تمويل السكن الرئيسي وتقوية القدرة الشرائية.
تنافس اجتماعي
ويذهب التجمع الوطني للأحرار إلى الانتخابات بثلاثة التزامات كبرى، جعل بينها حماية القدرة الشرائية، وتحسين جودة الخدمات العمومية في مختلف المجالات الترابية، والإدماج الاقتصادي، بعد مسار قال الحزب إنه اعتمد على لقاءات إنصات شارك فيها أكثر من مائة ألف مواطن.
وفي طنجة أصيلة، يلتقي هذا العرض مع واحد من الأسئلة التي يتوقع أن تحضر بقوة خلال الحملة، ويتعلق بمدى قدرة الاستثمار الذي تستقطبه المنطقة على إنتاج فرص شغل محلية، إلى جانب مواكبة توسع المجال الحضري بخدمات صحية وتعليمية ونقلية بالمستوى نفسه.
ويضع الأحرار التشغيل والتكوين والمقاولة ضمن أدوات الإدماج الاقتصادي، في وقت يكتسب فيه هذا المحور ثقلا إضافيا داخل عمالة تحتضن صناعة السيارات والمناطق الصناعية والخدمات والسياحة والأنشطة المرتبطة باللوجستيك.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فاختار “التنمية العادلة” مدخلا لبرنامجه الذي قدمه في 27 غشت، رابطا بين العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، ومشددا على توجيه الاستثمار العمومي وتقوية الخدمات الأساسية والحق في الصحة والتعليم والشغل.
ويعطي هذا الاختيار لمرشحي الحزب مساحة لطرح الفوارق داخل العمالة نفسها، خاصة بين المناطق التي استفادت من توسع الاستثمار والتجهيز والمجالات التي لا تزال تسجل خصاصا في عدد من الخدمات.
من جهته، يضع حزب العدالة والتنمية التشغيل ودعم المقاولة ورفع مردودية الاستثمار العمومي ضمن مرتكزاته الاقتصادية، إلى جانب الصحة والحماية الاجتماعية والتعليم والأمن المائي والطاقي، مع التشديد على محاربة الفوارق المجالية وما يسميه الحزب مواجهة “مغرب السرعتين”.
وتبدو هذه المحاور قابلة للحضور بقوة في خطاب الحزب بطنجة أصيلة، حيث يمنح التفاوت بين المؤشرات الاقتصادية للمدينة وانتظارات جزء من سكانها مساحة لربط التشغيل بالاستثمار، والخدمات بالتوسع العمراني.
أما حزب التقدم والاشتراكية، الذي أنهى إعداد برنامجه بعد ثمانية أشهر من العمل، فيستعد لتقديم الوثيقة رسميا في فاتح شتنبر. وتشير المعطيات التي أعلنها الحزب حتى الآن إلى ثلاثة محاور تشمل الجانب الاجتماعي والاقتصاد والديمقراطية والحقوق والحكامة، مع إرفاق الالتزامات بتقديرات مالية ومصادر للتمويل.
ويربط الحزب في مرتكزاته الاقتصادية بين الاستثمار والابتكار وتنافسية المقاولة وخلق فرص الشغل، وبين تقوية الدولة الاجتماعية والتوازن التنموي، ما يفتح الباب أمام إسقاط هذه الرؤية على منطقة تعرف كثافة استثمارية مرتفعة.
وفي المقابل، لم تصل الحركة الشعبية، وفق آخر ما نشرته رسميا، إلى مرحلة عرض برنامج انتخابي نهائي للعموم؛ إذ شكلت لجنة البرامج منتصف يوليوز، واستمرت خلال غشت في استكمال التحضير للاستحقاق تحت شعار “جا الوقت”.
كما أن العرض المشترك لفيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد لم يبرز بعد، في المواد المنشورة المتاحة، بالدرجة نفسها من التفصيل التي باتت متوفرة لدى الأحزاب التي قدمت برامجها رسميا.
رهانات محلية
وبصرف النظر عن اختلاف البرامج، تكشف قراءة مضامينها من زاوية طنجة أصيلة عن حضور كثيف للسياسات الاجتماعية مقابل ندرة الالتزامات المحلية المسماة.
فالأحزاب تتحدث عن الماء، لكن برامجها المنشورة لم تحدد بعد ما تقترحه لتأمين حاجيات عمالة يتزايد فيها الاستهلاك المنزلي والصناعي. وتتحدث عن التشغيل، دون ظهور تعهدات كمية مرتبطة بحصة الشباب المحلي من الوظائف التي تنتجها المشاريع الصناعية الجديدة.
ويتكرر الأمر نفسه مع النقل، إذ تحضر جودة الخدمات والتنمية المجالية في الخطاب العام، بينما لم تظهر إلى الآن تصورات انتخابية مفصلة بشأن مواكبة التوسع العمراني للمدينة وربط أكزناية وبقية المجالات الصاعدة بمنظومة نقل أكثر فعالية.
وينطبق ذلك على السكن والتعمير، خصوصا مع تمدد الكتلة الحضرية واستمرار الحاجة إلى تجهيز أحياء ومناطق جديدة، فضلا عن التفاوت في حاجيات طنجة وأصيلة والمراكز المحيطة بهما.
وتمنح هذه الثغرات الحملة الانتخابية المقبلة أهمية أكبر من مجرد تكرار البرامج الوطنية؛ إذ ستختبر قدرة وكلاء اللوائح على تحويل التزامات أحزابهم إلى ملفات تحمل أسماء أماكن ومشاريع ومطالب محددة داخل العمالة.
وفي هذا السياق، يدخل الأصالة والمعاصرة السباق بأرضية تضع التنمية الترابية ضمن صلب برنامجه، بينما يقدم الاستقلال حزمة حديثة تجمع الماء والخدمات والسيادة الاقتصادية والشباب، ويواجه الأحرار اختبار ربط حصيلته الحكومية بوعود جديدة في التشغيل والخدمات.
في المقابل، يراهن الاتحاد الاشتراكي على الإنصاف المجالي، والعدالة والتنمية على التشغيل ومواجهة الفوارق، والتقدم والاشتراكية على المزج بين الاقتصاد والدولة الاجتماعية، بينما ينتظر أن تكشف الحركة الشعبية وبقية مكونات المشهد عن تفاصيل إضافية مع اقتراب انطلاق الحملة.
ويبقى الفاصل بين هذه العروض، بالنسبة إلى ناخبي طنجة أصيلة، رهينا بما ستضيفه الأيام المقبلة من التزامات محلية؛ لأن الوعود المتعلقة بالصحة والتعليم والشغل والماء تكاد تجمع الجميع، فيما تبدأ المنافسة الحقيقية عندما يصبح السؤال أكثر تحديدا: ماذا سيعود على طنجة وأصيلة وأكزناية من كل ذلك؟







