حذرت أوساط عسكرية وأكاديمية إسبانية من تنامي المخاطر التي تحدق بمدينتي سبتة ومليلية، ودعت إلى تعزيز دفاعهما ووضع استراتيجية خاصة لحماية موانئهما وبنياتهما الحيوية، في سياق عودة النقاش داخل إسبانيا بشأن هشاشة المدينتين أمام ما يوصف بتهديدات هجينة وضغوط متصاعدة في محيط مضيق جبل طارق.
وأفاد تقرير نشره المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز تفكير تابع لوزارة الدفاع، بأن الدفاع عن إسبانيا لا يبدأ عند حدودها البرية فقط، بل يشمل أيضا موانئها، مع تركيز خاص على ميناءي سبتة ومليلية بالنظر إلى موقعهما ووظيفتهما في الأمن القومي والسيادة الترابية والإسقاط الخارجي للدولة.
ويكسر هذا الطرح، بحسب التقرير، حالة من التحفظ السياسي والمؤسساتي التي طبعت في السنوات الأخيرة تناول الملفات الحساسة في العلاقة مع المغرب، في وقت يواصل فيه مسؤولون إسبان الإشادة علنا بجودة العلاقات مع الرباط بوصفها شريكا استراتيجيا.
غير أن الدراسة تشير إلى أن مؤسسات الدولة المعنية بالأمن والدفاع تواصل، بعيدا عن الخطاب السياسي المعلن، متابعة ما تعتبره تحديات آتية من الضفة الجنوبية للمضيق.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة تداعيات أزمة مايو 2021، حين دخل أكثر من عشرة آلاف مهاجر بشكل غير نظامي إلى سبتة، في واقعة نسبت تقارير استخباراتية إسبانية إلى المغرب دورا فيها.
ورغم إعلان الحكومة الإسبانية آنذاك إعداد خطة أمنية شاملة خاصة بالمدينتين، فإن التقرير يلفت إلى أن هذه الخطة لم تر النور إلى اليوم، بعد مرور خمس سنوات على تلك الأزمة.
ويرى معدو الدراسة أن سبتة ومليلية تواجهان وضعا استثنائيا داخل المنظومة المينائية الإسبانية، لأنهما تعتمدان كليا على النقل البحري، ولأنهما تتعرضان في الوقت نفسه لضغط الهجرة، ولمخاطر سيبرانية، ولتوترات إقليمية متنامية ترتبط بسباق التسلح في غرب المتوسط. كما تسجل الدراسة استمرار تعثر النشاط الجمركي والتجاري عبر الحدود البرية مع المغرب، رغم إعلان مدريد سابقا فتح الجمارك باعتباره تحولا تاريخيا.
ودعا التقرير إلى بلورة استراتيجية وطنية خاصة بالمناطق الحدودية، تقوم على إدماج سبتة ومليلية في برامج الاستثمار والابتكار والأمن السيبراني الخاصة بالبنيات التحتية الحساسة، مع إرساء بروتوكولات تعاون دائمة بين سلطات الموانئ وأجهزة الدفاع والأمن والسلطات المدنية، إلى جانب إشراك المدينتين في منتديات الأمن البحري الدولية.
وفي مستوى أبعد، أوصى معدو الدراسة بإعداد تصور دفاعي تقليدي متكامل يشمل مختلف المكونات العسكرية، البرية والجوية والبحرية والفضائية والسيبرانية، مع تعزيز وسائل جمع المعلومات، والدفاع الجوي، والتصدي للطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الساحلي، لمنع أي عمليات إنزال أو تسلل أو هجمات مباشرة محتملة.
ويتجاوز القلق الإسباني، وفق التقرير نفسه، الجانب العسكري المباشر ليشمل أيضا التحولات الاقتصادية والمينائية الجارية على الضفة الجنوبية للمضيق، وعلى رأسها الصعود المتسارع لميناء طنجة المتوسط، الذي تمكن العام الماضي من تجاوز ميناءي الجزيرة الخضراء وفالنسيا مجتمعين في حركة الحاويات، إضافة إلى مشاريع مينائية أخرى في الناظور والداخلة.
وتعتبر بعض القراءات الإسبانية أن هذه المشاريع تعزز موقع المغرب في التنافس اللوجستي والإقليمي وتفاقم الضغوط الاقتصادية على سبتة ومليلية.
وفي هذا السياق، تخلص الدراسة إلى أن مدريد مطالبة برد استراتيجي طويل النفس، لا يقتصر على المقاربة الأمنية، بل يشمل أيضا إعادة تموقع اقتصادي ولوجستي يضمن عدم دخول الضفة الشمالية للمضيق في وضعية تراجع أمام الدينامية التي يقودها المغرب في الموانئ والبنيات التحتية.







