تعيد أول موجة حر تسجل خلال الموسم الحالي ملف حرائق الغابات إلى واجهة اليقظة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، حيث يتزامن الارتفاع المبكر لدرجات الحرارة مع مجال غابوي سجل خلال السنوات الأخيرة أعلى مؤشرات التعرض للنيران على الصعيد الوطني.
وبدأ المغرب، الأربعاء، فترة حر مبكرة إثر نشرة إنذارية من مستوى يقظة برتقالي أصدرتها المديرية العامة للأرصاد الجوية.
وتتوقع النشرة تسجيل درجات حرارة تتراوح بين 37 و42 درجة مئوية في عدد من الأقاليم من الأربعاء إلى الجمعة، وطقسا حارا في أقاليم أخرى بينها العرائش خلال يومي الأربعاء والخميس.
وتعزى هذه الوضعية، بحسب المديرية، إلى صعود كتل هوائية حارة وجافة من الصحراء، مع حرارة تفوق المعدلات الموسمية بما يتراوح بين 3 و8 درجات.
ولا يعتبر هذا الإنذار الحراري معزولا بالنسبة لجهة الشمال. فقد أظهرت الحصيلة الرسمية لموسم 2025 أن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة استأثرت بـ168 حريقا غابويا من أصل 418 حريقا مسجلا على المستوى الوطني، أي ما يعادل 40 في المئة من العدد الإجمالي.
كما أتت النيران على أكثر من 1540 هكتارا بالجهة من أصل 1728 هكتارا احترقت وطنيا، لتمثل 89 في المئة من إجمالي المساحات المتضررة.
وتعكس هذه الأرقام ثقل الجهة في خريطة الخطر المرتبط بحرائق الغابات. ففي إقليم شفشاون وحده، تجاوز حريقان كبيران خلال سنة 2025 عتبة مئة هكتار، بعدما أتيا على مساحات تقدر بـ859 هكتارا و280 هكتارا، في ظل ظروف مناخية اتسمت بالحرارة وضعف الرطوبة وقوة الرياح.
تحرك مؤسساتي استباقي
وتأتي موجة الحر الحالية في أعقاب تحرك مؤسساتي استباقي. وفي هذا الصدد، عقدت اللجنة المديرية الوطنية المكلفة بالوقاية من حرائق الغابات ومكافحتها، في 28 أبريل الماضي بالرباط، اجتماعا بمقر الوكالة الوطنية للمياه والغابات.
وخصص الاجتماع، الذي ترأسه المدير العام للوكالة عبد الرحيم هومي، لتقييم حصيلة 2025 وضبط جهاز الوقاية والتدخل الخاص بصيف 2026.
ورُصد للبرنامج المذكور غلاف مالي قدره 150 مليون درهم. وتشمل التدابير، وفق المعطيات المعلنة، إجراءات للوقاية والمراقبة والإنذار والتدخل، تتوزع بين صيانة المسالك الغابوية، وتهيئة نقط الماء، وتقليص الكتلة النباتية القابلة للاشتعال، وتعبئة حراس الغابات وفرق الدعم خلال الفترة الحساسة.
وعلى المستوى الميداني، احتضنت جماعة دار الشاوي بعمالة طنجة-أصيلة، في 6 ماي الجاري، تمرين (FOREX’26)، وهو تمرين وطني متعدد المتدخلين لمحاكاة سيناريوهات حرائق غابوية.
وشارك في التمرين أكثر من 200 إطار ومهني، إلى جانب مصالح مدنية وعسكرية، مع تعبئة وسائل برية وجوية شملت طائرات إطفاء من طرازي “كنادير” و”توربو ثراش”.
ويكتسي هذا التمرين بعدا عمليا لاختبار الجاهزية المعلنة، إذ تتجاوز مواجهة حرائق الغابات في الشمال قدرات الإطفاء الصرفة لتشمل اختبار سرعة الإنذار، وتنسيق القيادة الميدانية، وفتح المسالك، وحماية التجمعات السكنية المحاذية للمجالات الغابوية.
وتعمد الوكالة الوطنية للمياه والغابات، خلال الفترات عالية الخطورة، إلى نشر خرائط تنبؤية تحدد الأقاليم الأكثر عرضة لاندلاع الحرائق، استنادا إلى معطيات علمية ترتبط بطبيعة الغطاء النباتي وقابليته للاشتعال، وكذا الظروف المناخية والطبوغرافية.
وتعتمد هذه الخرائط كأداة توجيه لتعزيز اليقظة الميدانية، لاسيما في المناطق التي تشهد تكرارا لبؤر الاشتعال.
سياق مناخي عالمي
وتندرج هذه اليقظة ضمن سياق مناخي عالمي متقلب. حيث سبق للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية ان أعلنت، في 24 أبريل الماضي، أن ظاهرة “إل نينيو” مرشحة للتطور ابتداء من منتصف 2026، مع تأثير محتمل على درجات الحرارة وأنماط التساقطات المطرية.
وأشارت المنظمة إلى توقعات بهيمنة شبه عالمية لدرجات حرارة تفوق المعدلات الطبيعية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
وتسير توقعات الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي في الاتجاه ذاته، حيث قدرت احتمال تشكل ظاهرة “إل نينيو” بين شهري ماي ويوليوز 2026 بنسبة 82 في المئة، مع احتمال يبلغ 96 في المئة لاستمرارها خلال شتاء نصف الكرة الشمالي (2026-2027)، مبقية على هامش عدم يقين بشأن قوتها القصوى.
وعلى المستوى القاري، أفاد المركز الإفريقي لتطبيقات الأرصاد الجوية من أجل التنمية بأن تسجيل درجات حرارة قريبة من المعدل أو أعلى منه يبقى مرجحا في معظم دول شمال إفريقيا ومنطقة الساحل خلال الفترة ما بين أبريل ويوليوز 2026.
كما توقع المركز استمرار درجات حرارة سطح البحر الأبيض المتوسط عند مستويات قريبة أو تفوق المعدل خلال الفترة ذاتها.
ورغم أن هذه المؤشرات لا تعني حتمية تسجيل صيف قياسي بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، إلا أنها تدرج أول موجة حر في الموسم ضمن سياق عالمي يتجه نحو تواتر الفترات الحارة.
وتفيد معطيات مرصد “كوبرنيكوس” الأوروبي بأن أبريل 2026 صنف كثالث أحر شهر أبريل مسجل عالميا، في حين ترجح التوقعات الموسمية الأوروبية تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدل خلال فصل الصيف.
وفي ظل هذه المعطيات، تتجاوز موجة الحر الحالية طابع التغير العابر في حالة الطقس لتشكل افتتاحا مبكرا لموسم اليقظة الغابوية في جهة تكبدت الجزء الأكبر من المساحات المحروقة وطنيا خلال السنة الماضية، واضعة بذلك الاجتماعات الاستباقية وتمرينات المحاكاة أمام أول اختبار فعلي ميداني قبل بلوغ الذروة الصيفية.







