لم يعد الإفراط في تصفح المقاطع القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي مجرد عادة يومية عابرة لدى كثيرين، بل صار موضوعا صحيا وثقافيا متزايد الحضور، بعدما انتشر مصطلح “تعفن الدماغ” لوصف الإحساس بتراجع التركيز، وتبلد الذهن، وصعوبة متابعة محتوى طويل أو فكرة مركبة، تحت ضغط سيل لا ينتهي من الصور والمقاطع والعبارات السريعة.
ولا يشير المصطلح إلى مرض عصبي بالمعنى الطبي، ولا يعني أن الدماغ “يتعفن” فعلا، لكنه يعبر عن قلق متصاعد من الطريقة التي يعيد بها المحتوى الرقمي القصير تشكيل عادات الانتباه والاستهلاك المعرفي، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين والشباب.
وكانت دار نشر جامعة أوكسفورد قد اختارت “Brain rot”، أي “تعفن الدماغ”، كلمة عام 2024، بعدما سجل استعمالها ارتفاعا كبيرا خلال عام واحد.
وعرّفت أوكسفورد المصطلح بأنه تدهور مفترض في الحالة العقلية أو الفكرية للشخص، يُنظر إليه خصوصا باعتباره نتيجة للإفراط في استهلاك مواد تعد تافهة أو غير محفزة، ولا سيما المحتوى الرقمي.
وقال كاسبر غراثوول، رئيس Oxford Languages، إن المصطلح “يتحدث عن أحد المخاطر المتصورة للحياة الافتراضية، وعن الطريقة التي نستخدم بها وقت فراغنا”، معتبرا أنه فصل جديد في النقاش الثقافي حول علاقة الإنسان بالتكنولوجيا.
وأضاف أن اللافت في الأمر أن المصطلح تبنته أجيال شابة، من بينها الجيل “زد” وجيل “ألفا”، وهي الفئات نفسها الأكثر ارتباطا بإنتاج واستهلاك هذا النوع من المحتوى الرقمي.
ويرى متخصصون في الصحة النفسية أن خطورة الظاهرة لا تكمن في وجود الهاتف أو المنصات بحد ذاتها، بل في نمط الاستعمال: التصفح القهري، الانتقال السريع بين المقاطع، البحث الدائم عن تحفيز فوري، وتراجع القدرة على تحمل البطء الضروري للقراءة والتعلم والتفكير.
وفي هذا السياق، حذر تقرير للجراح العام الأمريكي حول وسائل التواصل والصحة النفسية للشباب من أن المنصات قد تقدم فوائد لبعض الأطفال والمراهقين، مثل التواصل والدعم والشعور بالانتماء، لكنها تحمل أيضا مؤشرات قوية على مخاطر عميقة قد تمس الصحة النفسية والرفاه.
وقال التقرير إن الأدلة المتاحة لا تكفي، في الوقت الراهن، للجزم بأن وسائل التواصل آمنة بما يكفي للأطفال والمراهقين.
ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة لأن مرحلة المراهقة تعد فترة حساسة في نمو الدماغ. فخلال هذه السنوات، تتشكل الهوية، وتتزايد الحساسية تجاه آراء الأقران والمقارنة الاجتماعية، بينما لا تكون مناطق التحكم في الاندفاع وتنظيم المشاعر قد نضجت بالكامل.
لذلك، قد يصبح التعرض المستمر للمكافآت الرقمية السريعة، مثل الإعجابات والمشاهدات والتنبيهات، عاملا يزيد هشاشة الانتباه والانفعال لدى بعض الفئات.
وتقول الجمعية الأمريكية لعلم النفس إن استعمال المراهقين لوسائل التواصل ينبغي ألا يقاس بالعمر وحده، بل أيضا بمستوى النضج، والقدرة على ضبط الذات، وفهم المخاطر، والبيئة الأسرية المحيطة.
وتؤكد الجمعية أن النقاش لا ينبغي أن يكون بين منع كامل أو ترك مفتوح، بل بين استعمال واع وآمن، ورقابة أسرية وتربوية تراعي الفروق بين الأطفال والمراهقين.
وتظهر علامات ما يسميه المستخدمون “تعفن الدماغ” في سلوكيات يومية مألوفة: صعوبة قراءة مقال طويل حتى نهايته، الملل السريع من الكتب أو الدروس، فتح الهاتف بلا سبب واضح، الانتقال من تطبيق إلى آخر دون هدف، ضعف النوم بسبب التصفح الليلي، والشعور بأن الذهن ممتلئ بالمعلومات لكنه غير قادر على إنتاج فكرة واضحة.
وتحذر منظمة الصحة العالمية، في إرشاداتها بشأن النشاط البدني والسلوك الخامل، من الإفراط في الوقت الخامل، خصوصا وقت الشاشة الترفيهي، وتشدد على أهمية النشاط البدني المنتظم للأطفال والمراهقين والبالغين.
ولا يتعلق الأمر هنا بالصحة النفسية فقط، بل بنمط حياة كامل، إذ يرتبط الاستعمال الطويل للشاشات غالبا بقلة الحركة، اضطراب النوم، العزلة، والإجهاد البصري والذهني.
ومع ذلك، يحذر خبراء من تحويل المصطلح إلى ذعر أخلاقي جديد ضد التكنولوجيا. فالمشكلة، كما يقولون، ليست في كل محتوى قصير، ولا في كل استخدام للمنصات، بل في المحتوى شديد الرداءة حين يصبح الغذاء اليومي الوحيد للانتباه. فالفيديو القصير قد يكون تعليميا أو توعويا أو فنيا، لكنه يصبح مرهقا عندما يتحول إلى تدفق لا ينتهي من الإثارة الرخيصة، والسخرية الجوفاء، والمشاهد المكررة، واللغة المفككة.
ويقول باحثون في علم النفس الرقمي إن الدماغ لا يفقد قدرته على التركيز بشكل نهائي بسبب المنصات، لكنه يتكيف مع ما يتكرر عليه. فإذا اعتاد المستخدم على مكافآت سريعة ومتلاحقة، قد يجد صعوبة أكبر في العودة إلى القراءة الطويلة أو العمل العميق أو الحوار الهادئ.
والعكس صحيح أيضا: يمكن استعادة جزء كبير من التركيز عبر تقليل التنبيهات، تخصيص أوقات خالية من الهاتف، النوم المنتظم، والعودة التدريجية إلى القراءة والنشاط البدني.
ولا تبدو الظاهرة محصورة في الأطفال. فالكبار أيضا باتوا يشتكون من أعراض مشابهة: تشتت أثناء العمل، ضعف الذاكرة القريبة، الحاجة إلى تفقد الهاتف باستمرار، وصعوبة البقاء مع مهمة واحدة لمدة طويلة. لكن الأطفال والمراهقين يظلون أكثر حساسية، لأن عاداتهم المعرفية والاجتماعية لا تزال في طور التشكل.
ويخلص خبراء الصحة إلى أن التعامل مع “تعفن الدماغ” لا يحتاج إلى وصفات معقدة، بل إلى قواعد بسيطة: عدم استعمال الهاتف قبل النوم، تقليص التنبيهات، تخصيص أوقات للقراءة أو الرياضة، مرافقة الأطفال في اختيار المحتوى، وعدم ترك الخوارزميات وحدها تحدد ما يراه الصغار لساعات طويلة.
وبين المصطلح الساخر والقلق العلمي الجدي، يكشف “تعفن الدماغ” عن معركة أوسع على الانتباه. إنها ليست معركة ضد التكنولوجيا، بل ضد الاستعمال الذي يحول وقت الفراغ إلى استنزاف دائم للذهن، ويجعل المحتوى السريع بديلا عن التفكير العميق لا مكملا له







