يومان فقط تفصل المنطقة المتوسطية والعالم عن الحدث الفلكي الأبرز والأكثر ترقبا لهذا العام، حيث تتجه أنظار العالم نحو السماء يوم الأربعاء 12 غشت 2026 لمتابعة كسوف شمسي استثنائي.
وسيظهر هذا الحدث الذي سيغرق أجزاء واسعة من إسبانيا في ظلام دامس نهارا، في سماء الأقاليم الشمالية للمغرب، وعلى رأسها مدينة طنجة، ككسوف جزئي عميق جدا يحجب فيه القمر الغالبية العظمى من قرص الشمس، ليصنع مشهدا فلكيا مهيبا قبيل الغروب.
لكن، وكما تختلف نسبة الكسوف بين ضفتي مضيق جبل طارق، تختلف أيضا وبشكل جذري طريقة تفاعل السلطات المحلية مع هذا الموعد العلمي الهام.
فعلى الضفة الشمالية للمتوسط، تحولت الساحات العامة في إسبانيا إلى خلايا نحل تنبض بالتوعية والاستعداد. حيث أدركت السلطات المحلية الإسبانية مبكرا حجم الحدث ومخاطره الصحية، لتطلق سلسلة من المبادرات الاستباقية واسعة النطاق.
وتصدرت بلدية مدريد المشهد بحملات إعلامية مكثفة وتخصيص نقاط لتوزيع نظارات الكسوف المعتمدة مجانا على العائلات في المتنزهات الكبرى.
ولم تكن بلدية سرقسطة أقل حماسا، حيث جندت خبراء فلكيين للإشراف على تلسكوبات مزودة بفلاتر شمسية في ساحاتها الرئيسية، مع توفير آلاف النظارات المجانية لساكنة المقاطعة.
أما في جزر البليار، فقد استغلت بلدية مايوركا الحدث لإنعاش السياحة العلمية، موزعة النظارات والأدلة الإرشادية بسبع لغات على السياح والمقيمين لضمان تجربة رصد آمنة وممتعة.
وفي مفارقة صارخة، وبالموازاة مع هذه التعبئة الشاملة في الجارة الإيبيرية، يخيم صمت مطبق وغير مفهوم على مسؤولي طنجة. فرغم أن “عروس الشمال” تُصنف من بين أفضل المواقع جغرافيا على المستويين الوطني والإفريقي لرصد هذا الكسوف نظرا لموقعها في أقصى شمال القارة، إلا أن مسؤولي المدينة اختاروا لعب دور المتفرج. فلم تسجل الأيام القليلة التي تسبق الحدث إصدار أي بلاغ توعوي، أو تنظيم حملة تحسيسية بمخاطر النظر المباشر للشمس، ناهيك عن غياب تام لأي مبادرة لتوفير النظارات الواقية، أسوة بما قامت به البلديات الإسبانية المجاورة.
وطرح هذا الغياب المؤسساتي والتواصلي أكثر من علامة استفهام حول تفويت مدينة بحجم طنجة لفرصتين ثمينتين. تتمثل الأولى في حماية الصحة العامة، حيث ترك المواطنون، وتحديداً الأطفال والشباب الشغوفين بالظواهر الطبيعية، عرضة لخطر محدق يهدد سلامة أبصارهم في ظل غياب بدائل آمنة للرصد.
أما الفرصة الثانية فهي التسويق الترابي والسياحي، إذ كان بالإمكان تحويل فضاءات المدينة الساحرة، كـ “كاب سبارطيل” أو كورنيش “المرقالة”، إلى منصات عالمية للسياحة الفلكية، تجذب الزوار والمهتمين وتخلق دينامية سياحية وثقافية غير مسبوقة.
وفي ظل هذا الفراغ المحلي، يجدد أطباء العيون والخبراء تحذيراتهم الصارمة من أن النظر المباشر إلى قرص الشمس أثناء الكسوف، ولو لثوانٍ معدودة وبدون استخدام النظارات الفلكية المخصصة (ذات المعيار الدولي ISO 12312-2)، يمثل مجازفة خطيرة للغاية.
فالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية قادرة على إحداث “حروق بقعية” في شبكية العين (Solar Retinopathy) دون الشعور بأي ألم، مما قد يؤدي إلى تلف دائم في الرؤية أو حتى العمى.
كما يؤكد الخبراء أن النظارات الشمسية العادية، مهما بلغت درجة عتامة عدساتها، لا توفر أي حماية تُذكر أمام هذه الأشعة الخطيرة.







