#بدون_مجاملة
في مدينة تواصل مد ذراعيها نحو المستقبل، وتعيد رسم ملامحها بالإسمنت والحدائق والساحات المفتوحة، يبدو أن طنجة تخوض معركة صامتة مع بعض العادات التي تأبى مغادرة الماضي.
فخلف الواجهات التي تستعيد أناقتها، والشوارع التي تخرج من أوراش التأهيل بحلل جديدة، يتوارى جرح حضري لا تكفي الأموال لرتقه.
ما إن تغادر شاحنات النظافة حتى تستعيد النفايات مواقعها، وما إن تستقر التجهيزات في الفضاء العام حتى تمتد إليها أيادي العبث، وكأن المدينة محكومة بدائرة مرهقة من الإصلاح والإفساد. مشهد تختصره مفارقة قاسية، إذ تتقدم طنجة في عمرانها بخطوات واسعة، بينما تتعثر في امتحان السلوك المدني الذي يمنح ذلك التقدم معناه.
وبين طموح المدينة إلى الارتقاء بجودة العيش وإصرار البعض على استباحة المشترك، تتكشف أزمة أعمق من اتساخ رصيف أو تشويه حديقة، أزمة في علاقتنا بالمكان وفي مقدار ما نحمله من احترام لحقوق الآخرين.
ولعل أكثر ما يثير الأسف في هذه المفارقة أن المدينة تنفق من مواردها لإصلاح ما كان يفترض ألا يفسد أصلا. فالمال الذي يذهب إلى ترميم تجهيزات محطمة، وإعادة تأهيل مرافق تعرضت للعبث، وتنظيف فضاءات لم تحافظ على نظافتها سوى ساعات، هو اقتطاع صامت من فرص التنمية وتحسين الخدمات.
وحين يصبح تنظيف المكان الواحد معركة متكررة، وتتبدد آثار التدخلات الميدانية قبل أن تجف آثار مياه الغسل، فإننا نكون أمام اختلال يتجاوز حدود التدبير الجماعي إلى ثقافة التعامل مع الممتلكات المشتركة.
والأخطر أن هذه السلوكيات تجد في الاعتياد الاجتماعي ملاذا يحمي استمرارها، حتى غدا مشهد النفايات الملقاة عشوائيا، والأرصفة المحتلة، والمقاعد المكسورة، جزءا مألوفا من يوميات لا تستفز الضمير الجماعي بالقدر الذي تستحقه.
هنا تحديدا يبدأ النزيف الحقيقي، حين يفقد الاعتداء على المجال العام صفته كسلوك شاذ، ويصبح التسامح معه وجها آخر من وجوه المشاركة في استمراره.
ولا يستقيم، في المقابل، أن نضع المدينة كلها في قفص الاتهام، أو أن نحول الحديث عن المواطنة إلى موعظة تبرئ المؤسسات من مسؤولياتها. فالسلوك المدني لا يزدهر في فراغ تنظيمي، ولا تصنعه الشعارات التي تزين الجدران ثم تتلاشى عند أول اختبار.
إنه يحتاج إلى مرافق تؤدي وظائفها، وقواعد تحترمها المؤسسات قبل الأفراد، وسلطة قانون لا تتردد أمام المعتدين على الحق المشترك.
لكن حضور المؤسسات، مهما بلغت صرامته، لن يعوض ضميرا يرى في الرصيف امتدادا لبيته، وفي الحديقة ملكا لأطفاله، وفي نظافة الشارع حقا للآخرين قبل أن تكون مطلبا شخصيا.
وتلك هي الحلقة المفقودة في جانب من علاقتنا بمدينتنا، إذ نرفع سقف المطالب كلما تعلق الأمر بحقوقنا، ثم نتساهل مع واجباتنا حين تغيب أعين المراقبة، وكأن المواطنة عقد يمنح الامتيازات دون أن يرتب الالتزامات.
إن طنجة التي تطمح إلى تثبيت مكانتها بين الحواضر الكبرى لا ينقصها أن تضيف إلى رصيدها شارعا آخر أو ساحة جديدة بقدر ما تحتاج إلى أن تصون ما أنجزته، وأن تجعل من احترام الفضاء العام قيمة تتقدم على الخوف من المخالفة والعقوبة.
فليس من التحضر أن نفاخر بجمال المدينة في الصور، ثم نتسامح مع تشويهها في الواقع، ولا من الإنصاف أن نحمل الجماعة وحدها مسؤولية معركة يشارك بعضنا يوميا في تجديد أسبابها.
وما لم تتصالح وتيرة تحديث العمران مع تطور الوعي الجماعي، ستظل طنجة تدفع من ميزانيتها وطاقتها ثمن المسافة الفاصلة بين المدينة التي نبنيها والمدينة التي نمارس فيها حياتنا.
إن عاصمة البوغاز تستحق أن تتحرر من هذا التناقض المؤلم، لأن رهانها الحضري لن يحسمه بريق الواجهات ولا اتساع الطرقات، وإنما ذلك الوعي الذي يجعل الإنسان حارسا لما أنجزته مدينته، لا سببا في استنزافه.







