تاريخ مدينة طنجة تاريخ طويل يزخر بالعديد من الأحداث والحقب التي أعطت لهذه المدينة تميزا خاصا في الكثير من الفترات، ومن داخل هذه الاحداث والحقب برزت العديد من الشخصيات التي أبت إلا أن تخلد اسمها في ذاكرة تاريخ طنجة الحافل.
وإذا كان اسم الرجل هو البارز الذكر في هذا التاريخ، فهذا لا يعني غياب اسم المرأة من ذكرى أحداثه وحقبه العديدة، إذ أن الشواهد على قيام المرأة الطنجية بأدوار مؤثرة في المدينة لا زالت قائمة، رغم عدم انصاف التاريخ لهذه الأدوار التي غالبا ما تكون خلف الأحداث.
وفي كتاب “بيوتات طنجة خلال القرن 18″ حاول الكاتب عبد الله بن ادريس الداودي أن يثير الانتباه لهذا الأمر ويعيد الاعتبار لهذا الدور الذي لعبته المرأة الطنجية بتخصيصه لفصل كامل في كتابه السالف الذكر لهذه القضية، نظرا لما أثبتته المرأة الطنجية من مشاركة فعالة ” عبر التاريخ، في الحياة اليومية للمدينة، بفعل غلبة طابع الصلاح وقوة الإيمان على هذه المرأة التي كانت قريبة من متغيرات الحياة العامة ومتطلباتها”.
وتحت عنوان “نساء تحولن إلى رموز في المدينة” من فصل المرأة الطنجية في مؤلف الدودي، يدرج هذا الأخير بعض من الأسماء التي ظلت خالدة في طنجة، إذ نجد في المقام الأول “لالة شافية” الذي “في اعتقادنا هو إسم رمزي ارتبط بنساء صالحات صاحبن جحافل المجاهدين خلال حصار طنجة” لطرد الاحتلال الإنجليزي “والموقع المعروف إلى الآن بهذا الإسم، لا نستبعد أنه كان في الزمن المذكور مستشفى ميداني تقدم فيه النساء المجاهدات.. خدمات العلاج للجرحى والمصابين في معركة التحرير”.
ويليه إسم آخر متعلق بـ”لالة اجميلية” الذي يطلق على مكان معروف لدى ساكنة طنجة يقع “على السفح الشمالي لهضبة مرشان قرب البحر .. وغالبا ما يرتبط هذا الاسم بسيدي ميمون رمز الجهاد والدفاع عن أسوار المدينة” كما يحيل أيضا “على جمال المدينة وجهاد أهلها وتفانيهم في الدفاع عنها وتحريرها”.
الوزانية أم شريف وزان وكبير الزاوية الوزانية بطنجة المسمى الحاج عبد السلام بن الحاج العربي هي أيضا من النساء اللواتي خلدت أسمائهن في طنجة تحت اسم “لالة سلامة” ربما لأعمالها الجليلة نظرا لمكانتها وصلتها بشرفاء وزان، “عاشت بالمدينة خلال أواخر أيام السلطان مولاي عبد الرحمان وتوفيت على عهد السلطان مولاي محمد بن عبد الرحمان”.
وبالجهة الشمالية الشرقية للجبل الكبير يوجد منبع مائي يجاور جامع المقرع، ارتبط هذا المنبع باسم “لالة ينو” و”الظاهر أنها إحدى الصالحات المجهولات الإسم التي جعلت عملها الخيري والجهادي ينصب على نقل الماء الصالح للشرب للمجاهدين، فتحولت بذلك الى رمز للاحترام والتقدير من طرف الجميع، فنالت لقب “للاينو” أي “سيدتي” كترجمة حرفية من الأمازيغية الريفية الى العربية”.
ومن الأماكن الاخرى التي خلدت تحت أسماء نسائية موقع وادي يقع خارج أسوار مدينة طنجة يعرف تحت اسم “حسنونة” وقد يكون لإمرأة ” ساهمت بدورها بشكل من الأشكال في تاريخ طنجة”.
ونجد من الاسماء النسائية التي خلدت بسبب عاطفة الأمومة المتأججة لديها ونكرانها لذاتها اسم “العيساوية” وهي في الحقيقة “امرأة طنجية زارت الشيخ محمد بن عيسى على إثر اعتقال ابنها من طرف “الافرنج” (البرتغال)..تكبدت مشاق السفر من طنجة الى مكناس من أجل البحث عن وسيلة لتحرير ابنها الأسير” رغم صعوبة وخطورة السفر في ذلك الزمن.
وفي الأخير نجد اسم “السيدة حواء” وهي بنت الباشا أحمد “إحدى صالحات طنجة التي رافقت المجاهدين وتوفيت خلال حصار سبتة يوم 27 جمادى الثانية سنة 1110هـ/1699م والظاهر أنها كانت تحضى بمكانة خاصة لدى المجاهدين كما يتجلى ذلك من خلال نقش على قبرها”.
هذه كانت فقط بعض الأسماء النسائية الخالدة من طنجة التي أدرجها الدودي في فصل من فصول كتابه “بيوتات طنجة خلال القرن 18″، وهذه الأسماء إذا دلت على شيء فإنما تدل على أن المرأة الطنجية كانت دائما إلى جانب الرجل خلال الفترات الصعبة التي تطلبت وجودها، كما أنها أسماء لا تعني أصحابها فقط، بقدر ما تعني بحمولتها الرمزية كل نساء طنجة اللواتي لم يقدر لأسمائهن الخلود جميعهن.
ملحوظة: الفقرات المدرجة بين مزدوجتين، مقتبسة من كتاب “بيوتات طنجة في القرن الثامن عشر” لمؤلفه عبد الله الداودي
//





