يوسف السفري – صحفي متدرب
دخلت المنتخبات العربية منافسات كأس العالم 2026، المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بمؤشرات إيجابية عكست تحولا واضحا في طريقة حضورها داخل أكبر محفل كروي عالمي، باستثناء المنتخب التونسي الذي ما زال أداؤه يثير تساؤلات واسعة.
ولا تبدو هذه البداية نتيجة ظرفية أو وليدة الصدفة، بقدر ما تعكس مسارا تراكميا من العمل والتجارب، وتغيرا ملحوظا في عقلية اللاعب العربي أمام المنتخبات الكبرى.
فقد تراجعت، إلى حد كبير، رهبة الأسماء الثقيلة والمدارس الكروية العريقة، وصارت المنتخبات العربية تدخل مبارياتها بثقة أكبر في قدراتها، وبإيمان أوضح بإمكانية مجاراة الإيقاع العالي، وفرض الندية داخل الملعب.
ويرتبط هذا التحول، في جانب كبير منه، بالإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في كأس العالم قطر 2022، حين أصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي البطولة.
ودخل “أسود الأطلس” تلك النسخة بطموح أولي تمثل في تجاوز الدور الأول، قبل أن يتحول المسار إلى محطة غير مسبوقة في تاريخ الكرة العربية والإفريقية. فقد واجه المغرب منتخبات من الصف الأول، وفرض احترامه بتنظيم دفاعي محكم، وانضباط جماعي، وشخصية واضحة في المباريات الكبرى.
ولم يكن ذلك الإنجاز مجرد لحظة مغربية خالصة، بل تحول إلى مرجع نفسي وفني لباقي المنتخبات العربية. فقد أثبت أن المنافسة في كأس العالم لا تقوم على الأسماء وحدها، بل على التحضير، والصلابة، والإيمان، وحسن تدبير التفاصيل.
ومنذ مونديال قطر، ارتفع سقف التطلعات العربية. لم تعد المشاركة في كأس العالم تعني الحضور الرمزي أو الاكتفاء بالأداء المشرف، بل أصبح الهدف أكثر وضوحا: المنافسة، وانتزاع النتائج، والذهاب إلى أبعد مدى ممكن.
ويظهر هذا الأثر بوضوح في مونديال 2026، حيث بدت عدة منتخبات عربية أكثر جرأة في التعامل مع خصومها، وأكثر قدرة على تدبير الضغط. فقد دخلت البطولة بعقلية مختلفة، ترفض الانبهار وتبحث عن المبادرة.
وفي المقابل، يظل أداء المنتخب التونسي خارج هذا السياق الإيجابي حتى الآن، بعدما عجز عن تقديم مؤشرات مقنعة تعكس تطورا مماثلا. ويطرح مستواه أسئلة حول الجاهزية الذهنية والفنية، وحول قدرته على مسايرة النسق الذي فرضته باقي المنتخبات العربية.
لكن الصورة العامة تبقى لافتة. فالكرة العربية تبدو اليوم أكثر تحررا من عقدة “المنتخب الكبير”. وهذه النقلة لا تنفصل عن المثال المغربي، الذي منح اللاعبين والمدربين والجماهير دليلا عمليا على أن الفوارق يمكن تقليصها عندما يحضر التنظيم والانضباط والجرأة.
لقد فتح المنتخب المغربي طريقا جديدا في الوعي الكروي العربي. طريق لا يقوم على الشعارات، بل على الأداء داخل الميدان. ومن هذا المنطلق، تبدو المشاركة العربية في مونديال 2026 امتدادا مباشرا لذلك الأثر.
فـ”أسود الأطلس” لم يصنعوا مجدا وطنيا فقط، بل ساهموا في تغيير نظرة العرب إلى أنفسهم داخل كأس العالم. ومن هنا، صار الحلم أكبر، وصارت المنافسة ممكنة، ولم يعد حضور العرب في المونديال محكوما بسقف منخفض.







