بدون مجاملة
في الحواضر التي تحترم نفسها، تظل إدارة النفايات آلية صامتة؛ لا تتصدر عناوين الأخبار إلا عندما تتوقف المنظومة عن العمل. أما حين تتحول الحاوية الممتلئة إلى منصة سياسية، وتغدو الصورة الملتقطة أمام كومة أزبال بيانا انتخابيا مصغرا، فإن العطب هنا يتجاوز حدود “قطاع النظافة”، ليضرب في صميم الطريقة التي يدرك بها الفاعل المحلي معنى الشأن العام.
تقدم طنجة اليوم مشهدا كلاسيكيا لأمراض السياسة المحلية: أزمة حضرية حقيقية تفرغ من تعقيداتها التدبيرية، لتعلب في قوالب شعبوية جاهزة للاستهلاك. فمع اقتراب استحقاقات 2026، هبط على بعض الفاعلين “إلهام مفاجئ” أدركوا معه أن النظافة قضية مصيرية، وأن الأحياء المكتظة ليست مجرد مجالات ترابية تتطلب استدامة في المرفق العام، بل هي “خزانات انتخابية” يمكن استثمار غضب قاطنيها. هكذا، يصادر التذمر المشروع للسكان ليحول إلى رأسمال سياسي في بورصة التموقعات المبكرة.
من نافلة القول إن أحدا لا يطالب المعارضة بالصمت، أو يدعو المنتخبين إلى غض الطرف عن اختلالات الشارع. فالمعارضة التي لا تنتقد تفقد مسوغ وجودها، والمنتخب الذي لا ينقل نبض دائرته يتحول إلى مجرد “قطعة أثاث” داخل المجالس المنتخبة.
غير أن الفارق شاسع بين النقد المؤسساتي والاستغلال العاطفي؛ الأول يشهر دفاتر التحملات، ويطالب بتفعيل الغرامات والجزاءات، بينما يلهث الثاني خلف الصورة الأسرع والبيان الأشد صخبا لتثبيت موقعه قبل فتح مكاتب التصويت.
والمفارقة الكبرى في هذا الضجيج المفتعل، أنه يمنح شركات التدبير المفوض أثمن هدية ممكنة: “الإفلات من المساءلة المباشرة”. فكلما احتدم التراشق السياسي وتطييف الأزمة، تراجع النقاش التقني الصارم حول عدد العمال، وجاهزية الآليات، ومسارات التجميع، ونسب الالتزام بالعقود التي تمول من المال العام. ينشغل الفاعلون بتبادل الاتهامات، في حين تبتعد الشركات المعنية عن دائرة الضوء، وتواصل إصدار فواتيرها بهدوء.
وفي خضم هذه المعارك الدونكيشوتية، يختزل المواطن الطنجي إلى مجرد “خلفية” بصرية لتقوية البلاغات السياسية. يستدعى غضبه لتغذية الحملة، ثم يقصى من المعادلة فور انتهاء الاستعراض الإعلامي.
والأخطر من ذلك، أن هذا النهج يجعل الأزمات “مطلوبة سياسيا”؛ فالفاعل العاجز عن بلورة مشروع تنموي، يجد في تعثر الخدمات العمومية فرصة ذهبية للظهور. ووفق هذا المنطق الانتهازي، تتحول القمامة إلى مورد انتخابي غير معلن، يستثمر في إدامته بدلا من حله.
إن الموقف الجاد، والمسؤولية السياسية الحقة، يبدآن من رفض هذا الابتزاز المزدوج. لا يحق للمسؤولين عن التدبير التواري خلف تقصير الشركات للتهرب من المحاسبة، كما لا يجوز للسياسيين الاحتماء بغضب السكان لتبرير “صحوة متأخرة” تزامنت بالمصادفة مع اقتراب موعد الصناديق.
طنجة ليست مجرد أرقام في معادلة اقتراع تستدعى كل خمس سنوات. النظافة فيها ليست شعارا للمزايدة، بل هي حق حضري أصيل تضمنه الدولة وتموله ضرائب المواطنين.
ومن يعمد إلى تحويل نفايات المدينة إلى “وقود انتخابي”، فإنه لا يساهم في تنظيف الشوارع، بل يضيف إلى الأزمة البيئية تلوثا آخر، أقل وضوحا ولكنه أشد فتكا: تلوث الممارسة السياسية حين تقتات على أعطاب المدينة بدلا من العمل على معالجتها.







