تعبر حافلات إيصال المدينة شوارع طنجة بطلاء حديث يلفت الأنظار، لكن هذا التغيير البصري لم ينجح في إقناع عدد واسع من الركاب بأن خدمة النقل الحضري دخلت مرحلة جديدة، فبالنسبة لكثيرين، تغير اللون وبقيت الأزمة كما هي
في المحطات، يتكرر المشهد يوميا، مواطنون ينتظرون تحت الشمس أو المطر، عمال وطلبة وموظفون يحسبون الوقت الضائع، حافلات تصل متأخرة أو ممتلئة، ومحطات لا تقدم أي معلومة دقيقة حول توقيت العبور
هذا الواقع جعل عبارة “لا شيء تغير سوى لون الحافلات” تنتشر بين مستعملي النقل العمومي، وهي عبارة تلخص إحساسا عاما بأن التحديث توقف عند الواجهة، ولم يصل إلى جوهر الخدمة
لا يعترض المواطن على تجديد شكل الحافلات أو تحسين صورتها داخل المدينة، لكن النقل الحضري لا يقاس بالطلاء الخارجي فقط، بل يقاس أولا بدقة المواعيد، وعدد الرحلات، واحترام الوتيرة، ونظافة العربات من الداخل، وطريقة التعامل مع الركاب
في عدد من الخطوط، ما زالت فترات الانتظار طويلة، خصوصا في ساعات الذروة، ويضطر ركاب إلى البقاء في المحطات لمدد تتجاوز نصف ساعة، دون معرفة ما إذا كانت الحافلة قريبة أم بعيدة، وهذا الغموض يحول التنقل اليومي إلى مصدر ضغط دائم
أما الاكتظاظ، فيبقى أحد أبرز مظاهر الخلل خلال الفترات الصباحية والمسائية، إذ تتحول بعض الرحلات إلى تجربة مرهقة، وتتكدس الأجساد داخل الحافلات، ويتحول حق التنقل إلى معاناة يومية، خصوصا بالنسبة للنساء والمسنين والتلاميذ والعمال
ولا تنفصل أزمة الحافلات عن التحولات التي تعرفها طنجة، فالمدينة توسعت عمرانيا وسكانيا بوتيرة سريعة، وظهرت أحياء جديدة في الأطراف، وارتفعت حركة التنقل بين مناطق السكن والعمل، وتزايد الضغط على المحاور الطرقية والخطوط التقليدية
لكن شبكة النقل الحضري لم تواكب هذا التحول بالسرعة نفسها، وما زالت بعض الأحياء تشكو ضعف الربط، وما زالت خطوط أخرى تعاني نقص الحافلات، وبين توسع المدينة وبطء الخدمة، يدفع المواطن الثمن من وقته وراحته ودخله اليومي
المشكلة هنا لا تتعلق بصورة الحافلة فقط، بل ترتبط بفلسفة تدبير مرفق عمومي أساسي، فالنقل الحضري ليس خدمة تجارية عادية، إنه حق يومي يحدد قدرة الناس على الوصول إلى العمل، والمدرسة، والمستشفى، والإدارة، والسوق
أين مؤشرات التحسن؟
تحتاج الشركة المفوض لها تدبير القطاع، ومعها السلطات المحلية والجماعة، إلى تقديم مؤشرات واضحة للرأي العام، كم عدد الحافلات العاملة فعليا؟ ما معدل الانتظار في كل خط؟ ما نسبة احترام التوقيت؟ كم عدد الشكايات التي تمت معالجتها؟ وما الخطوط التي تحتاج إلى دعم عاجل؟
دون هذه الأرقام، يبقى الحديث عن التغيير مجرد خطاب دعائي، فالمواطن لا يريد وعودا عامة، بل يريد أن يرى الفرق في المحطة، وداخل الحافلة، وفي زمن الرحلة
كما يحتاج القطاع إلى رقمنة حقيقية، عبر تطبيق يتيح تتبع الحافلات بشكل مباشر، ولوحات إرشادية في المحطات الكبرى، وقنوات شكاية واضحة، ورد سريع على اختلالات النظافة والاكتظاظ والتأخر، فهذه إجراءات لم تعد ترفا في مدينة بحجم طنجة
خدمة جديدة لا لونا جديدا
تغيير لون الحافلات خطوة شكلية لا تكفي وحدها لصناعة نقل حضري ناجح، فالمدينة لا تحتاج إلى حافلات جميلة في الصور فقط، بل تحتاج إلى حافلات منتظمة، نظيفة، آمنة، وقادرة على تحمل الضغط اليومي
لقد بعث الركاب برسالة واضحة، لا يريدون واجهة جديدة تخفي أعطابا قديمة، بل يريدون خدمة تحترم وقتهم وكرامتهم، ونقلا عموميا يليق بمدينة تكبر بسرعة، وتطمح إلى لعب أدوار اقتصادية وسياحية كبرى
أما الرهان الحقيقي، فلن يحسمه لون الحافلات، بل سيحسمه سؤال بسيط يطرحه المواطن كل صباح، هل وصلت الحافلة في وقتها؟







