أثار اعتماد اللونين الأبيض والرمادي في صباغة واجهات عدد من المباني بمدينة طنجة استغراب مواطنين، وسط تساؤلات بشأن الجهة التي قررت توحيد الألوان، والمعايير المعمارية التي استندت إليها، ومدى انسجامها مع الهوية البصرية والتاريخية للمدينة.
وتداول سكان صورا لواجهات جرى طلاؤها بالأبيض والرمادي، معتبرين أن العملية غيرت مظهر بعض الشوارع، وحولت واجهات كانت تتميز بألوان وتفاصيل مختلفة إلى مساحات متشابهة تفتقر، بحسب منتقدين، إلى التنوع.
ويطرح هذا الوضع أسئلة حول ما إذا كان اختيار اللونين يندرج ضمن برنامج رسمي لتأهيل واجهات المدينة، أو ضمن تعليمات صادرة عن السلطات المحلية أو الجماعات الترابية، أو أنه يتعلق باجتهادات منفصلة مرتبطة بأوراش محددة.
ولم نعثر، إلى حدود إعداد هذا الخبر، على بلاغ رسمي منشور يوضح وجود قرار عام يفرض اللونين الأبيض والرمادي على جميع واجهات مباني طنجة. لذلك يبقى من الضروري أن تكشف الجهات المعنية طبيعة المشروع، والأحياء التي يشملها، والميزانية المخصصة له، والجهة التي اختارت الألوان وأشرفت على التنفيذ.
هل يناسب الأبيض والرمادي مدينة طنجة؟
من الناحية المناخية، يملك اللون الأبيض مزايا عملية، إذ يعكس جزءا أكبر من أشعة الشمس مقارنة بالألوان الداكنة، ويساعد على الحد من ارتفاع حرارة الأسطح والواجهات المعرضة للشمس. ولهذا يكثر حضوره في مدن البحر الأبيض المتوسط والمناطق ذات المناخ المشمس.
كما يرتبط اللون الأبيض بجزء من الصورة العمرانية التاريخية لطنجة، خصوصا في المدينة القديمة والقصبة، حيث تظهر مبان كثيرة بدرجات بيضاء متقاربة. وتصف مراجع معمارية نسيج المدينة العتيقة بأنه يتكون من أحجام متداخلة وواجهات متجانسة تعتمد تنويعات دقيقة من الأبيض.
أما الرمادي، فيمنح الواجهات مظهرا موحدا، ويساعد على إخفاء آثار الغبار والرطوبة بدرجة أكبر من الأبيض الناصع. لكنه يصبح باردا وباهتا عندما يطغى على مساحات واسعة أو يستعمل بدرجات داكنة، خصوصا في مدينة بحرية تحتاج واجهاتها إلى معالجة تراعي الضوء والرطوبة وطابع الأحياء.
ولا يكمن الإشكال في اللونين وحدهما، بل في طريقة توظيفهما. فالأبيض والرمادي قد يناسبان بناية حديثة أو شارعا محددا، لكن فرضهما بصورة موحدة على أحياء مختلفة قد يمحو الفوارق بين المدينة القديمة، ووسط المدينة، والأحياء الحديثة، والمناطق الساحلية.
وتتميز طنجة بتعدد أنماطها المعمارية، من العمارة المغربية والأندلسية إلى مباني الآرت ديكو والتراث المرتبط بمرحلتها الدولية. وتشير مصادر معمارية إلى هذا التنوع في الأقواس والزخارف والواجهات القديمة، وهو ما يجعل اعتماد لوحة لونية واحدة على جميع المباني خيارا يحتاج إلى دراسة دقيقة.
ويفترض أن ينطلق أي مشروع لتوحيد الواجهات من دراسة خاصة بكل حي، تحدد درجات الألوان، ونوعية الطلاء، وألوان النوافذ والأبواب، وطريقة حماية الزخارف والعناصر المعمارية الأصلية. كما يفترض إشراك المهندسين المعماريين والفاعلين المحليين والسكان قبل تعميم أي تصور.
ويطالب متابعون بالكشف عن صاحب القرار، ونشر دفتر التحملات المعتمد، وتوضيح ما إذا كانت عملية الصباغة إلزامية أم اختيارية، وما إذا كانت تشمل المباني الخاصة أو الواجهات الموجودة على المحاور الرئيسية فقط.
ويبقى الأبيض مناسبا لجزء كبير من هوية طنجة ومناخها، فيما يصلح الرمادي كلون ثانوي لإبراز النوافذ والشرفات والتفاصيل. لكن تعميم اللونين دون تنويع أو دراسة قد يمنح المدينة مظهرا رتيبا، ويضعف الخصائص المعمارية التي تميز كل حي عن الآخر.







