بعد أربعة وعشرين عاما على أزمة جزيرة ليلى، عاد رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أثنار إلى الواجهة من سبتة، مستعيدا خطاب «الحزم» تجاه المغرب، في وقت تبدو فيه المقارنة بين أزمة عسكرية محدودة وقعت سنة 2002 والعلاقات المغربية الإسبانية الحالية بعيدة عن التحولات التي شهدها البلدان خلال العقدين الأخيرين.
وقال أثنار خلال زيارة إلى سبتة إن «الضعف كان وسيظل دائما محفزا»، مطالبا برد حازم على ما وصفه بالمساس بـ«السيادة الوطنية» خلال أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز. كما طالب باستقرار دائم للحدود، معتبرا أن ما وقع يجب ألا يتكرر.
واستعاد رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس بدوره طريقة تعامل أثنار مع أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، مقدما إياها نموذجا للدفاع عن المصالح الإسبانية، في مقارنة تستهدف بصورة واضحة سياسة حكومة بيدرو سانشيز الحالية تجاه الرباط.
لكن صحيفة «Europa Sur» نفسها، التي أعادت الأحد ملف جزيرة ليلى إلى الواجهة، أقرت بأن المقارنة بين الأزمتين تحتاج إلى «كثير من التوضيحات»، وفي مقدمتها اختلاف الظروف السياسية والقانونية والجيوسياسية بين 2002 و2026.
فأزمة جزيرة ليلى انتهت آنذاك بعد مواجهة عسكرية محدودة وتدخل دبلوماسي أمريكي أعاد الوضع إلى ما كان عليه. أما الأزمة الحالية في سبتة فتتداخل فيها الهجرة وشبكات التواصل والقانون الدولي وحقوق الإنسان والسياسة الداخلية الإسبانية، ما يجعل استنساخ وصفة 2002 أمرا غير واقعي.
والأهم أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا نفسها تغيرت.
فالمغرب الذي واجهه أثنار قبل 24 عاما ليس المغرب الذي تتعامل معه مدريد اليوم. المصالح الاقتصادية والأمنية بين البلدين توسعت، فيما أصبحت إسبانيا شريكا تجاريا رئيسيا للمملكة، وتنامى التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب والجريمة المنظمة.
وظهرت أهمية هذا التعاون خلال أزمة سبتة نفسها. فالحكومة الإسبانية أشادت بالتعاون المغربي، بينما أكدت مدريد لاحقا أنها لا تملك دليلا يثبت أن الرباط خططت للتدفقات التي شهدتها الحدود.
كما أن جزءا كبيرا من عشرات الآلاف الذين دخلوا سبتة عاد إلى المغرب خلال الأيام التالية، وهو عامل ساهم في تخفيف الضغط على المدينة، في مقابل استمرار الخلاف الإسباني الداخلي حول سرعة استجابة حكومة سانشيز للأزمة.
وتكشف هذه المعطيات حدود الخطاب الذي يحاول إعادة إنتاج منطق جزيرة ليلى في أزمة مختلفة جذريا.
حتى «Europa Sur» تشير إلى عنصر آخر يغيب عن رواية الحزم التي يقدمها أنصار أثنار، وهو أن إنهاء أزمة 2002 لم يكن نتيجة التحرك العسكري الإسباني وحده، بل لعبت الوساطة الأمريكية دورا حاسما في إعادة الطرفين إلى الوضع السابق.
ويطرح استدعاء جزيرة ليلى بعد 24 عاما سؤالا آخر حول الهدف من العودة إلى تلك الذاكرة في هذا التوقيت، خصوصا أن زيارة أثنار جاءت وسط مواجهة سياسية إسبانية حادة بين الحزب الشعبي وحكومة سانشيز بشأن تدبير أزمة سبتة.
وبدل أن تقدم أزمة يوليوز دليلا على إمكانية العودة إلى سياسة المواجهة مع المغرب، فإنها أظهرت مرة أخرى حجم اعتماد ضفتي المضيق على التنسيق.
فاستقرار سبتة نفسه يرتبط بما يحدث على الجانب المغربي من الحدود، كما يرتبط أمن المضيق وحركة الأشخاص والتجارة والنقل البحري بتعاون مستمر بين الرباط ومدريد.
وبذلك تبدو عودة أثنار إلى سبتة أقرب إلى استحضار رمز سياسي من مرحلة سابقة منه إلى تقديم وصفة قابلة للتطبيق على العلاقة الحالية بين البلدين.
فبعد أربعة وعشرين عاما من جزيرة ليلى، لم يعد المغرب وإسبانيا يقفان أمام بعضهما فقط على ضفتي المضيق، بل أصبح جزء مهم من مصالحهما الاقتصادية والأمنية مرتبطا ببعضه البعض.
والحزم الذي يطالب به أثنار قد يخدم المواجهة السياسية داخل إسبانيا، لكن إدارة العلاقة مع المغرب في 2026 تتطلب حسابات أوسع بكثير من تلك التي حكمت أزمة صخرة صغيرة غير مأهولة في صيف 2002.







