“أتاي العصر كايفتح البصر”، حكمة شعبية توارثتها أجيال من سكان شمال المغرب، تختصر بكلمات قليلة ما تمنحه جلسة الشاي بعد العصر من شعور باستعادة النشاط والقدرة على مواصلة العمل بعد ساعات النهار الأولى.
ولا تعني العبارة أن الشاي يحسن حدة النظر، بل تستخدم “فتح البصر” بمعناه الشعبي المرتبط بزوال النعاس وعودة التركيز. وهو وصف تمنحه الدراسات العلمية أساسا فسيولوجيا، بالنظر إلى توقيت الجلسة ومكونات الشاي، وفي مقدمتها الكافيين.
ويعرف الجسم خلال منتصف النهار وبداية فترة ما بعد الظهر انخفاضا طبيعيا في مستوى اليقظة، يشار إليه علميا باسم “خمول ما بعد الغداء”.
ولا يرتبط هذا التراجع بتناول الطعام وحده، إذ سجلت أبحاث ظهوره حتى لدى أشخاص لم يتناولوا وجبة الغداء ولم يكونوا على علم بالوقت، ما يرجح ارتباطه بالإيقاع اليومي للجسم.
وفي هذه الساعة تحديدا، قد تساعد جرعة معتدلة من الكافيين الموجود في الشاي على تقليل الشعور بالنعاس وتحسين الانتباه وسرعة الاستجابة.
وخلصت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية إلى وجود علاقة سببية بين تناول 75 مليغراما على الأقل من الكافيين وزيادة الانتباه واليقظة لدى البالغين.
وتقدر الهيئة كمية الكافيين في كوب من الشاي الأسود سعته 220 مليلترا بنحو 50 مليغراما في المتوسط، غير أن الرقم يتغير بحسب كمية أوراق الشاي ومدة النقع وطريقة التحضير وحجم الكأس. ولهذا قد تتحول جلسة تضم عدة كؤوس من شاي مركز إلى جرعة منبهة أكبر مما يتوقعه صاحبها.
ويحتوي الشاي أيضا على الحمض الأميني “إل-ثيانين”. وأظهرت تجارب علمية أن الجمع بينه وبين الكافيين قد يساعد على تركيز الانتباه خلال المهام الذهنية الشاقة، وتحسين سرعة الانتقال بين المهام والقدرة على مقاومة المشتتات.
جلسة معتدلة في الوقت المناسب
وتكون جلسة الشاي أكثر انسجاما مع مضمون المثل عندما تأتي مع بداية الشعور بخمول منتصف بعد الظهر، وليس قرب موعد النوم. فالمطلوب هو تخفيف الانخفاض الطبيعي في اليقظة خلال النهار، لا نقل النشاط إلى ساعات الليل.
ويختلف التوقيت الملائم بحسب موعد نوم كل شخص ومدى حساسيته للكافيين. ويستحسن لمن ينام مبكرا أو يتأثر سريعا بالمنبهات ألا يؤخر جلسة الشاي إلى المساء.
وأظهرت تجربة سريرية أن تناول جرعة كبيرة تبلغ 400 مليغرام من الكافيين قبل النوم بست ساعات أدى إلى اضطراب ملموس في النوم.
كما خلصت مراجعة منهجية لدراسات سابقة إلى أن استهلاك الكافيين خفض مدة النوم بنحو 45 دقيقة في المتوسط، وقلل كفاءته وأطال الوقت اللازم للاستغراق فيه.
ولا تحتاج مقاومة الخمول إلى إبريق بالغ التركيز. فالجرعة المنبهة تتراكم مع توالي الكؤوس، خصوصا في الجلسات المغربية التي يمتد فيها شرب الشاي فترة طويلة.
وتعتبر الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية أن الجرعات المفردة التي لا تتجاوز 200 مليغرام، وإجمالي الاستهلاك اليومي الذي لا يتجاوز 400 مليغرام، لا يثيران مخاوف صحية لدى غالبية البالغين الأصحاء. غير أن هذه الحدود لا تعني أن الجميع يتحمل الكمية نفسها، إذ تتفاوت الحساسية للكافيين بصورة كبيرة.
وقد تكفي كمية معتدلة لشخص لا يستهلك المنبهات بانتظام، بينما لا يشعر مستهلك معتاد بالأثر نفسه. وفي المقابل، قد تسبب الجرعات المرتفعة لدى بعض الأشخاص توترا أو خفقانا أو صعوبة في النوم، حتى عندما تبقى دون الحد اليومي العام.
الشاي وحده لا يكفي
ويرتبط الشاي المغربي تقليديا بكمية متفاوتة من السكر، لكن المكون المسؤول أساسا عن تقليل النعاس هو الكافيين، وليس المذاق الحلو.
ولا يحتاج الشخص إلى زيادة السكر بحثا عن يقظة أكبر، إذ يحافظ الشاي قليل السكر على وظيفته المنبهة، ويجنب تحويل جلسة يومية إلى مصدر مرتفع للسكريات.
ولا يأتي أثر “أتاي العصر” من محتوى الكأس وحده. فالتوقف عن العمل، وتغيير وضعية الجلوس، والابتعاد لبضع دقائق عن الشاشة أو المهمة المتواصلة، عوامل تعزز الشعور بالتجدد.
وتكون الجلسة أكثر فائدة عندما تمثل استراحة قصيرة ومنظمة، يمكن خلالها التحرك لبضع دقائق أو الانتقال إلى مكان أكثر إضاءة، بدلا من شرب الشاي أثناء مواصلة العمل دون توقف.
أما الجلسات الطويلة المصحوبة بعدد كبير من الكؤوس، فقد تمنح كمية من الكافيين تتجاوز الحاجة الفعلية وتزيد احتمال تأثر النوم لاحقا.
وقد يعيد الكافيين اليقظة مؤقتا بعد ليلة قصيرة، لكنه لا يعوض نقص النوم ولا يصلح آثار الحرمان المزمن منه. وأظهرت دراسات أن تقييد النوم بصورة متكررة إلى ست ساعات أو أقل يؤدي إلى تراكم واضح في أوجه القصور المرتبطة بالانتباه والأداء الذهني.
ولهذا ينبغي الانتباه عندما يتحول شاي العصر من عادة اجتماعية إلى وسيلة يومية لمقاومة إنهاك شديد. فالحاجة المستمرة إلى جرعات كبيرة من المنبهات قد تكون مؤشرا إلى سوء تنظيم النوم أو ضغط العمل، لا مجرد خمول عابر بعد الظهر.
كما تخفض الهيئة الأوروبية الحد اليومي الموصى به للحوامل والمرضعات إلى 200 مليغرام من الكافيين من جميع المصادر، بما فيها الشاي والقهوة والمشروبات الغازية والشوكولاتة. وينبغي للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم أو يشعرون بالخفقان بعد المنبهات ضبط الكمية وفقا لاستجابتهم الفردية.
وتدعم هذه المعطيات مضمون الحكمة الشعبية من دون أن تحولها إلى وصفة طبية. فـ”أتاي العصر” قد يساعد فعلا على “فتح البصر” بمعنى استعادة اليقظة خلال فترة يعرف فيها الجسم انخفاضا طبيعيا في النشاط، شرط أن يكون معتدل التركيز، محدود السكر، وألا يتأخر إلى الساعات القريبة من النوم.
وتبقى الجلسة الأكثر فعالية هي التي تجمع كأسا أو كأسين من الشاي المعتدل مع استراحة قصيرة وحركة بسيطة، بدلا من إبريق مركز يحارب خمول العصر على حساب نوم الليل.







