في أزقة أصيلة العتيقة، لم يكن هدوء ما بعد انتخابات 23 شتنبر يشبه صخب الحملات التي سبقته، بل كان صمتا محملا برسائل عميقة قادمة من صناديق الاقتراع.
فالحدث هنا لم يقتصر على تحديد هوية الحزب الذي تصدر المشهد، بل تجاوز ذلك نحو زلزال سياسي صامت ضرب دائرتين انتخابيتين ظلتا لعقود بمثابة الحرم الآمن والمجال المحفوظ للراحل محمد بنعيسى.
وفي هاتين الدائرتين، تبدلت بوصلة الناخبين وتغير اتجاه الرياح، وتمكنت الحركة الشعبية من اختراق هذه الحصون وتصدرت النتائج.
وقد تبدو الأرقام للوهلة الأولى محدودة التأثير، إلا أنها تحمل دلالات رمزية ثقيلة حين توضع في سياقها التاريخي. فأصيلة، التي ارتبطت صورتها ومصيرها السياسي لأكثر من أربعة عقود بشخص واحد نسج شبكة انتخابية معقدة ومستقرة، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد كليا.
أرقام تروي قصة التغيير
ولا تعني هذه الاختراقات أن المدينة استبدلت هيمنة مطلقة بأخرى، إذ تؤكد لغة الأرقام أن الأصالة والمعاصرة حافظ على صدارته بحصوله على 1780 صوتا، متقدما في 12 دائرة، في حين طاردته الحركة الشعبية بـ1627 صوتا وتقدم في 11 دائرة.
وهذا الفارق الضئيل، الذي استقر عند 153 صوتا فقط، يخبرنا أن الخريطة السياسية التي صاغها بنعيسى على مقاسه تكسرت وتوزعت بين قوى متقاربة، وأن الدوائر التي كانت تبصم بالعشرة على استمرار إرثه بدأت تبعث إشارات مغايرة تماما.
وإذا كانت الأرقام تكشف حجم التقارب بين الحزبين، فإن ما جرى في الدائرتين لا يُفهم بعيدا عن ذاكرة انتخابية تشكلت على مدى عقود.
ذاكرة تقاوم التحول
ورغم أن هاتين الدائرتين لا تشكلان كتلة ناخبة ضخمة إذا ما قورنتا بمدينة طنجة المجاورة، إلا أن ثقلهما يكمن في عمق الذاكرة السياسية المحلية. فالدائرة الأولى ارتبطت شخصيا بمحمد بنعيسى في محطاته الجماعية السابقة، وحتى بعد رحيله استطاع الأصالة والمعاصرة الاحتفاظ بالمقعد في الانتخابات الجزئية.
ولذلك، فإن انقلاب المزاج الانتخابي اليوم ليس مجرد تغيير عابر في ترتيب الأحزاب، بل هو الإعلان الرسمي عن تحرر هذه الدوائر من سطوة الماضي.
ويكتسب هذا التحول دلالة أكبر بالنظر إلى أن هذا الاستحقاق التشريعي هو الأول من نوعه منذ وفاة بنعيسى في فبراير 2025، الرجل الذي هيمن على تدبير الشأن العام المحلي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وجمع بين قيادة المدينة ومناصب سياسية وثقافية عليا.
إرث أثقل من الأحزاب
ولا يمكن فك طلاسم المشهد الحالي عبر حصر تجربة بنعيسى في عباءة الأصالة والمعاصرة التي ارتداها في أواخر مساره. فالزعيم الراحل بنى مجده المحلي وصنع نفوذه قبل ظهور الحزب بسنوات طوال، وخاض معارك سياسية متعددة قبل أن يترشح بلون الجرار في انتخابات 2021.
كما أن التوازن المحلي كان يرتكز على شخص بنعيسى وشبكة علاقاته المتشعبة، لا على لافتة الحزب وحدها.
وقد تجلى هذا النفوذ الساحق في اقتراع 2021، حين التهم الأصالة والمعاصرة 23 مقعدا من أصل 30 في مجلس جماعة أصيلة، ليعاد انتخاب بنعيسى رئيسا بأغلبية 25 صوتا. وكانت تلك اللوحة الانتخابية الأخيرة في حياته، لوحة توحي بالاستقرار المطلق.
تصدع الجدار لا انهياره
واليوم، غاب القطب وبقيت الهياكل والأسماء التي دارت في فلكه، فيما أثبتت صناديق 2026 أن بقاء المؤسسات لا يعني بالضرورة بقاء السلوك الانتخابي. وما حدث ليس انهيارا شاملا للأصالة والمعاصرة، بل إعادة تشكيل للولاءات بعد اختفاء نقطة الارتكاز المركزية.
ويبدو التوازن الجديد جليا في الانقسام شبه المتساوي بين الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية، بينما اكتفى العدالة والتنمية بـ673 صوتا والتجمع الوطني للأحرار بـ418 صوتا.
كما أن المنافسة المفتوحة التي سبقت الاقتراع تجسدت في محاولة أحمد الجعيدي، وصيف لائحة الحركة الشعبية، توسيع قاعدته على حساب شبكة الأصالة والمعاصرة التي ورثت تنظيما قويا، قبل أن تنجح المحاولة في اختراق دوائر كانت محرمة على المنافسين.
مرحلة ما بعد الزعيم
ومع تداخل الحضور السياسي لبنعيسى مع بصمته الثقافية، حيث أسس موسم أصيلة الثقافي مع الفنان محمد المليحي أواخر السبعينيات، أصبح رحيله حدثا يتجاوز مجرد شغور منصب رئيس الجماعة.
ورغم نجاح طارق غيلان في الحفاظ على رئاسة المجلس لصالح الأصالة والمعاصرة بدعم 22 عضوا مقابل 6 للجعيدي، فإن الانتخابات التشريعية تخضع لحسابات مختلفة، إذ يعيد الناخبون خلط الأوراق وصياغة الأوزان من القاعدة.
واحتفظ الأصالة والمعاصرة بالصدارة، لكنه فقد هالة الهيمنة المطلقة، فيما لم تكن الحركة الشعبية بحاجة إلى اكتساح المدينة بأكملها لتثبت حضورها، إذ كان يكفيها أن تزرع رايتها في معاقل النظام القديم.
وبذلك، تقدم انتخابات 23 شتنبر أول تقييم حقيقي لحجم الفراغ الذي خلفه رحيل بنعيسى. كما أن السؤال اليوم لم يعد عمن سيرث نفوذه كاملا، بل كيف ستتعايش القوى السياسية في مجال انتقل من سيطرة القطب الأوحد إلى ساحة يتوزع فيها النفوذ بين شبكات وأحزاب تتنافس على كل صوت وكل دائرة.
فالتغيير العميق لا يولد فقط حين يسقط حزب ليصعد آخر، بل يبدأ أيضا حين تقرر معاقل الوفاء التاريخي أن تجرب مسارا جديدا.







