تدخل دائرة العرائش انتخابات 23 شتنبر بأربعة مقاعد برلمانية، لكن بخريطة يصعب قراءتها انطلاقا من ألوان الأحزاب وحدها، بعدما انتقلت خلال الأشهر الأخيرة أسماء وازنة وشبكات انتخابية من تنظيم إلى آخر، إلى درجة أن ثلاثة من النواب الأربعة الذين فازوا في 2021 سيخوضون استحقاق 2026، بصورة مباشرة أو عبر شبكاتهم السياسية، تحت رايات مختلفة.
ويجعل هذا التحول الدائرة واحدة من الحالات التي تصبح فيها مقارنة نتائج الأحزاب بين اقتراعين أقل دلالة من تتبع مسارات المرشحين أنفسهم، خصوصا أن انتخابات 2016 و2021 أظهرت قدرة كتل انتخابية محلية على الانتقال مع أصحابها بين التنظيمات، بينما يظل المقعد رهينا بقدرة كل لائحة على الجمع بين مدينتي العرائش والقصر الكبير والامتدادات القروية الواسعة للإقليم.
ويضع هذا التفكك سبعة أسماء على الأقل في دائرة المنافسة بدرجات متفاوتة، يتقدمهم نزار بركة عن الاستقلال، وعبد الحكيم الأحمدي عن التجمع الوطني للأحرار، وزينب السيمو عن الأصالة والمعاصرة، وعبد العزيز الوادكي عن الحركة الشعبية، ومحمد الحماني عن الاتحاد الاشتراكي، إلى جانب عبد الخالق بيسينتي عن التقدم والاشتراكية وخالد المودن عن العدالة والتنمية، في سباق تبدو فيه المحافظة على الخزانات السابقة أصعب من اكتساب أصوات جديدة.
2021.. رباعي متقدم
في انتخابات 8 شتنبر 2021، تصدر محمد السيمو، مرشح التجمع الوطني للأحرار، النتائج بحصوله على 35 ألفا و532 صوتا، متقدما بفارق يفوق عشرة آلاف صوت على نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي جمع 24 ألفا و676 صوتا.
وحل عبد العزيز الوادكي، مرشح الاتحاد الدستوري، ثالثا بـ19 ألفا و68 صوتا، فيما حصل محمد الحماني، مرشح الأصالة والمعاصرة، على المقعد الرابع بعد جمعه 14 ألفا و510 أصوات.
وبقي الاتحاد الاشتراكي خارج المقاعد بعدما حصل مرشحه مشيج القرقري على 5418 صوتا، فيما لم يتجاوز رصيد العدالة والتنمية، الذي كان أحد أبرز القوى الانتخابية في الإقليم خلال مراحل سابقة، 4106 أصوات.
لكن هذه التركيبة لم تعمر حتى موعد الانتخابات التالية. فمن بين النواب الأربعة المنتخبين في 2021، يبقى نزار بركة وحده مرشحا في 2026 باسم الحزب نفسه، بينما تغيرت المواقع السياسية لبقية المكونات التي صنعت رباعي الدورة السابقة.
وتزداد أهمية هذا التحول عند العودة إلى انتخابات 2016. آنذاك تصدر محمد السيمو الدائرة باسم الحركة الشعبية بـ18 ألفا و106 أصوات، وحل العدالة والتنمية ثانيا بـ16 ألفا و178 صوتا، ثم الأصالة والمعاصرة بـ11 ألفا و740 صوتا، والاتحاد الدستوري بقيادة عبد العزيز الوادكي بـ10 آلاف و633 صوتا.
وبذلك انتقل السيمو بين 2016 و2021 من الحركة الشعبية إلى التجمع الوطني للأحرار، ورفع رصيده من نحو 18 ألف صوت إلى أكثر من 35 ألفا، بينما حافظ الوادكي على وجوده ضمن أصحاب المقاعد ورفع نتيجته من 10 آلاف و633 إلى أكثر من 19 ألف صوت.
في المقابل، خرج العدالة والتنمية من رباعي الفائزين رغم حلوله ثانيا في 2016، ودخل الاستقلال بقوة إلى تركيبة 2021 عبر نزار بركة.
مصادر قوة متحركة
وتبدو انتخابات 2026 أكثر اختلافا، لأن التحول هذه المرة لا يقتصر على تبدل ترتيب الأحزاب، بل يشمل انتقال جزء من مصادر قوتها المحلية نفسها.
فالتجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر الدائرة بفارق كبير سنة 2021، لن يدخل الانتخابات بمحمد السيمو. الحزب منح تزكيته لعبد الحكيم الأحمدي، رئيس المجلس الإقليمي للعرائش، لقيادة لائحته في محاولة للاحتفاظ بالمقعد الذي كان الأكثر أمانا له قبل خمس سنوات.
لكن جزءا أساسيا من معادلة 2021 انتقل إلى الجهة المقابلة. فقد زكى الأصالة والمعاصرة زينب السيمو لقيادة لائحته بالدائرة، بعدما غادرت عائلة السيمو المجال التنظيمي للأحرار، وهو تحول يضع “البام” أمام فرصة الجمع بين حضوره المحلي وبين شبكة انتخابية ارتبطت خلال الاستحقاق السابق باللائحة التي تصدرت النتائج.
ولا يقل التحول وضوحا في حالة عبد العزيز الوادكي. فصاحب المركز الثالث في 2021 غادر الاتحاد الدستوري والتحق بالحركة الشعبية التي زكته رسميا لقيادة لائحتها. ويعود بذلك رمز “السنبلة” إلى المنافسة بمرشح سبق أن حافظ على مقعده في اقتراعين متتاليين، بينما كان السيمو نفسه قد فاز باسم الحركة الشعبية في 2016.
أما محمد الحماني، الذي منح الأصالة والمعاصرة المقعد الرابع سنة 2021، فعاد إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحصل على تزكيته لخوض الانتخابات باسمه، ليجد نفسه هذه المرة في مواجهة الحزب الذي أوصله إلى البرلمان قبل خمس سنوات.
وسط كل هذه التحولات، يحتفظ حزب الاستقلال بأكثر المعادلات استقرارا. فقد جدد تزكية أمينه العام نزار بركة وكيلا للائحة العرائش للمرة الثانية على التوالي، بعد حصوله على المركز الثاني في 2021 بأكثر من 24 ألف صوت. كما يتجه الحزب إلى وضع عبد العالم الهنا، رئيس جماعة عياشة، في الموقع الثاني ضمن اللائحة، بما يضيف امتدادا قرويا إلى ترشيح بركة.
2026.. أكثر من أربعة
ولا تنحصر المنافسة في المرشحين المرتبطين بالمقاعد السابقة. فحزب التقدم والاشتراكية دفع بعبد الخالق بيسينتي، رئيس جماعة العوامرة، بعدما غادر التجمع الوطني للأحرار إثر حسم الأخير تزكيته لفائدة الأحمدي. ويعني دخوله السباق أن جزءا آخر من شبكة المنتخبين التي تحركت تحت مظلة الأحرار في المرحلة السابقة أصبح ينافس الحزب من خارجه.
ويحاول العدالة والتنمية بدوره العودة إلى المعادلة عبر خالد المودن، عضو الأمانة العامة للحزب والمستشار الجماعي بالقصر الكبير، بعد خمس سنوات من النتيجة التي أبعدته عن المقاعد الأربعة، مقارنة بموقعه الثاني في انتخابات 2016.
كما يخوض تحالف اليسار المنافسة بأسامة بنمسعود، الذي اختير لقيادة لائحته انطلاقا من القصر الكبير، ما يوسع عدد اللوائح التي تتوفر على ارتكاز سياسي أو انتخابي داخل أحد المجالات الرئيسية للدائرة.
وتضع هذه التركيبة أربعة مقاعد أمام عدد من المرشحين الذين يملكون رصيدا انتخابيا سابقا أو مواقع في المجالس المنتخبة أو شبكات محلية قادرة على إنتاج أصوات خارج الحدود التقليدية لأحزابهم.
فالاستقلال يدخل بالمرشح نفسه الذي فاز في 2021، بينما يحاول الأصالة والمعاصرة استقطاب جزء من الخزان الذي منح الأحرار صدارة الاستحقاق السابق. ويسعى الأحرار إلى تعويض خروج السيمو بوزن رئيس المجلس الإقليمي وشبكة رؤساء ومنتخبي الحزب، فيما يراهن الوادكي والحماني على انتقال جزء معتبر من رصيدهما الشخصي معهما إلى حزبيهما الجديدين.
ويضيف ترشح بيسينتي عاملا آخر إلى المنافسة، لأنه يضغط بصورة خاصة على الخزان الذي كان متاحا للأحرار في الجماعات القروية، بينما يراهن العدالة والتنمية على استعادة جزء من الكتلة التي منحته أكثر من 16 ألف صوت والمركز الثاني في 2016 قبل هبوطه إلى نحو أربعة آلاف صوت سنة 2021.
وبذلك لا تقدم انتخابات العرائش في 2026 مواجهة بسيطة بين أربعة أحزاب لحماية أربعة مقاعد. إنها اختبار لمعرفة ما إذا كانت الأصوات التي ظهرت تحت رموز حزبية محددة في 2021 ستبقى معها بعد تغيير المرشحين، أم ستتحرك مع الأسماء والشبكات التي صنعت جزءا منها.
وإذا كانت انتخابات 2016 قد أفرزت الحركة الشعبية والعدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري، ثم استبدلت انتخابات 2021 اثنين من هذه الأحزاب بالأحرار والاستقلال، فإن اقتراع 23 شتنبر ينطلق من وضع أكثر سيولة، بعدما أصبح ثلاثة من الخزانات التي أنتجت المقاعد الأربعة السابقة موزعة بين أحزاب جديدة.
وهنا تحديدا تكمن خصوصية العرائش هذه السنة. فالمنافسة لا تختبر شعبية الأحزاب فقط، بل تختبر للمرة الأولى بهذا الوضوح مقدار ما تملكه الأحزاب من أصوات ثابتة، ومقدار ما كان مرتبطا بالمرشحين الذين حملوا رموزها في الاستحقاق السابق.







