نجحت أبحاث علمية أكاديمية حديثة في إرساء لبنة أساسية لتعزيز جودة المنظومة الصحية الوطنية، من خلال تطوير وتكييف نسخة مغربية معتمدة باللغة الدارجة لأداة دولية بالغة الأهمية تقيس ما يصطلح عليه بالثقافة الصحية لدى المواطنين.
وقد استند هذا الإنجاز العلمي، الذي نُشرت تفاصيله في المجلة العلمية المتخصصة ديسكفر بوبليك هيلث، إلى اختبار ميداني دقيق شمل عينة مكونة من أربعمائة وستين شخصا بالغا من المترددين على مراكز الرعاية الصحية الأساسية بعمالة أكادير إداوتنان خلال الفترة الممتدة بين شهر دجنبر من سنة ألفين وأربعة عشرة وشهر يونيو من سنة ألفين وخمسة عشرة.
ولا يهدف هذا الابتكار المنهجي إلى إنجاز إحصاء وطني لنسب الثقافة الصحية، بل يسعى أساسا إلى ترجمة وتوطين استمارة القياس المعروفة عالميا بأتش إل إس إي يو كيو ستة عشر لكي تتلاءم بانسجام مع الخصوصيات اللغوية والاجتماعية للمجتمع المغربي، والتحقق بدقة من صلاحيتها الإحصائية والعلمية.
وتتألف هذه العدة القياسية من ستة عشر سؤالا موجهعا لتقييم كيفية تعامل الأفراد مع المعطيات المرتبطة بصحتهم عبر ثلاثة محاور أساسية تشمل الرعاية الطبية المباشرة، وتدابير الوقاية من الأمراض، ومجالات تعزيز الصحة العامة.
وتتجاوز أبعاد هذا المقياس مجرد معرفة الأسماء العلمية للأمراض أو العقاقير الطبية، لتشمل مدى قدرة المريض على رصد المعلومة الصحية، واستيعاب مضامينها، وتقدير قيمتها الحقيقية، ثم توظيفها بفعالية في اتخاذ القرارات اليومية السليمة المرتبطة بسلامته الجسدية والنفسية.
وتخضع إجابات المستجوبين لعملية تحويل رقمية تفضي إلى مؤشر تصنيفي دقيق يحدد مستوى الثقافة الصحية ضمن مستويات ثلاثة تتمثل في غير كاف أو إشكالي أو كاف، وهو ما يمهد الطريق أمام الفاعلين الصحيين لرصد اختلالات التواصل وتحديد الفئات المجتمعية الأكثر حاجة إلى تبسيط المعطيات الطبية.
وتميزت العينة التي خضعت للتجربة بتنوع ديمغرافي واجتماعي لافت، حيث شكلت النساء نسبة تقارب تسعا وخمسين في المائة، بينما بلغ متوسط العمر الوسيط أربعا وثلاثين سنة، مع تمثيلية وصلت إلى نحو اثنين وسبعين في المائة للوسط الحضري وثمانية وعشرين في المائة للوسط القروي.
كما أظهرت المؤشرات تفاوتا واسعا في المستويات التعليمية والاقتصادية للمشاركين، مما سمح باختبار نجاعة الأداة وتماسكها لدى شرائح مجتمعية متعددة الأوضاع، مدعومة باختبارات إحصائية دقيقة أثبتت جودة الاتساق الداخلي وثبات النتائج.
وتجدر الإشارة إلى أن الاعتماد على اللغة الدارجة جاء لتجاوز عائق لغوي جوهري قد يفرغ نتائج القياس من محتواها الحقيقي، بحيث لا يتحول الاختبار إلى مقياس للقدرة اللغوية البحتة عوض قياس الفهم الصحي.
ورغم ما أفرزته الدراسة من فروق ذات دلالة إحصائية ترتبط بالجنس والمستوى الدراسي والأصل الجغرافي، فإن الباحثين يدعون إلى التعامل بحذر مع هذه المؤشرات وعدم اختزال الثقافة الصحية في التحصيل العلمي وحده، مؤكدين أن إيصال المعلومة الطبية يظل مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود المؤسسات والأطر الصحية والمجتمع ككل.







