جمال الفن و فتنة اللغة في رواية”هذا الأندلسي”
ads980-250 after header

الإشهار 2

جمال الفن و فتنة اللغة في رواية”هذا الأندلسي”

إشهار مابين الصورة والمحتوى

بقلم : محمد نافع العشيري

تسير رواية “هذا الأندلسي” للمفكر و الروائي المغربي بنسالم حميشعلى درب تجربة روايته “العلامة”، حيث تبني خطتها السردية على مفهوم الشخصية التاريخية، التي عادت الى مسرح الكتابة الروائية المغربية الذي ظل ردحا من الزمن فضاء للواقعية بكل أطيافها، ولكن هذه المرة ليس على منوال كتب السير و الطبقات، بل تعتمد على العنصر التخييلي الذي قد يتقاطع أو يتفارق مع ما هو توثيقي حول هذه الشخصية. حيث يظلالتباين واضحا بين السير التقليدية، والسيرة الروائية التاريخية التي لا تقول التاريخ لأنه ليس هاجسها، و لا تتقصى الأحداث والوقائع لاختبارها، على حد تعبير الروائي الكبير الواسيني الأعرج،و هو ما يظهر جليا في روايتي”العلامة”و”هذا الاندلسي” التي يتناغم فيهماجلال الحدث، مع جمال الوصف، و روعة الغوص في أعماق شخصيات فريدة و متميزة في تاريخ الفكر الاسلامي و الانساني.

تحكي رواية” هذا الأندلسي” سيرة العالم و الفيلسوف المتصوف ابن سبعين الذي دفعته نوائب الزمان ومصائب الوقت الى الهجرة من الأندلس الى سبتة، بسبب هجمات القشتاليين الذين يستحوذون على مدن الأندلس الواحدة تلو الأخرى، و يضيقون الخناق على ما تبقى من مدن و محلات محاصرة مفككة الأوصال يتطاحن فيها ملوك الطوائف، و يتحالفون مع الشيطان من أجل ملك زائف، و سلطة وهمية،و تكالب فقهاء الفروع و أبطال التكفير، وتآمر أصحاب السلطان، مما دفعه الى الهجرة نحو سبتة، حيث سيلتقي هناك بفيحاء التي ستصير زوجته،ويعيش معهاأحلى أيامه بين زوجة محبة، و زاوية للتعبد و التأمل والكتابة. لكن فرحته لم تدم طويلا، اذ سرعان ماانتشر خبر ابن سبعين في سبتة، و عادت مضايقة السلطة بأمر من الأمير السعيد و فقهاء المدينة، ليحزم أمتعته و يرحل،عملابنصيحة الوالي، الى الحج حتى تهدأ الأمور. و في رحلته الحجازية سيمر ابن سبعين ببجاية و تونس و القاهرة وصولا الى مكة و في كل حاضرة من هذه الحواضر كان يلقى نصيبه من المضايقات و الاستفزازات،و لم يكن يخفف منها، في الغالب، سوى صحبة أبي الحسن الششتري الصوفي الهائم، صاحب الصوت الرخيم، و الموشحات الرائقة. و بوصوله الى مكة ستنتهي معاناته الى أجل مسمى، بسبب احتضان واليها الشريف “ابن المنى” له، و بسبب هذا الاحساس بالأمان سيطلب ابن سبعين من زوجته اللحاق به، لكن المنية ستدركهاعلى مشارف مكة ليتزوج ابن سبعين من أمامة التي عوضته الحب و الحنان، قبل أن تشتد به من جديد مضايقات السلطان الظاهر بيبرس الذي جاء بنفسه الى الحجاز طالبا رأسه، لكن الأقدار حالت بينه و بين السيف، لكنها لم تحل بينه و بين ألم الرأس الذي ألم به، و النزيف الذي أنفذ كل ما يجري في جسده الواهن من دم، ليسقط صريع الصوفية ميتا.


“هذا الأندلسي” رواية الصراع الفكري بين الفلاسفة العقلانيين والفقهاء من جهة، و بين المتصوفة الذي ذهبوا بعيدا في استبطاناتهم و تأويلاتهم المحاطة بهالة الكشف و جمالالمشاهدة، البعيدة عن استدلالات المنطق وشروط البيان الصارمة، المتفتحة على اجتهادات فقهية مقاصدية تؤكد على سعة الاسلام و بعده الانساني( و خاصة في تعليلات ابن سبعين لاجتهاداته المتميزة في مسالة قطع يد السارق و الربا و تعدد الزوجات و حد الزنا…) و رده على فلاسفة الأندلس وخاصة ابن رشد، الذين تفلس أفكارهم و تتهاوي فلسفاتهم أمام أسوار الغيب العالية على حسب تعبير السارد. كما تقدم هذه الرواية صورة جميلة للمرأة الأندلسية الرقيقة العفيفة المتحررة بالمفهوم الايجابي( صورة فيحاء)، هذه المرأة التي لا تتورع عن اقتناص بغيتها الحلال عن طريق الرسائل الرقيقة الطافحة بالشوق و الأمل الى حبيب سحرها بطلعته البهية. لكنها تقدم في المقابل صورة لألوان من الشذوذ، و أشكال من النوازع النفسية الشيطانية التي تشتعل كلما أظلم الليل، و أغلقت الأبواب، و غفل الوشاة و الرقباء( العلاقة الشاذة بين الخادمتينفي بيت ابن سبعين).

ان هذه الرواية تقوم بدور مهم في ما أسميه بأنسنة التصوف، ذلك أنها تخرق المألوف من أرباب الرقاع وسلاطين الزهد، فتصور الشخصية الرئيسية (ابن سبعين) بالمتصوف الذي يتزوج و يحب النساء، و يلبس أجمل الثياب، و يتطيب، بل كثيرا ما اجترح، في شبابه، لذائذ محرمة مع الخارجيات و المعجبات لكن ذلك لم تمنعه الى مواصلة الطريق نحو هناك، الى حيث لا هناك.

رواية “هذا الأندلسي” رواية الحاضر و الماضي، ظلم السلطان و جمود الفقهاء و فساد الادارة و قهر الانسان لأخيه الانسان.
لكن كل هذه المعاني النبيلة و المواقف الفريدة ينبغيألاتحجب عن أعيننا جمال الفن، وروعة البناء، و فتنة اللغة في هذا العمل.
فالبرغم من خطية السرد الذي تفرضه في الغالب طبيعة السيرة، لا تخلو هذه الرواية من جوانب جمالية جعلت من السرد مقاطع تتخلها ألوان من التشكيلات الجمالية. فمن الأوصاف الدقيقة التي تكاد في بعض المقاطع أن تجعل من الموصوف بورتريها حيا، الى الحوارات الداخلية العميقة، الى الأحلام و الرؤى، الى التأملات الصوفية فكرا و عمقا، الصافية لغة و عبارة، الى مقاطع من الغناء و الموشحات، الى لعبة السارد اللذيذة التي يوهمنا من خلالها بالبحث عن المخطوطة الضائعة”بد العارف” ليدخل بنا الى عالم المرأة والمتعة… كل هذا جعل من العمل لوحة فنية متناسقة الألوان، متناغمة الخطوط و الأشكال. و لكني لا أبالغ اذا قلت ان هذه الرواية هي رواية لغةبامتياز، فقد استطاع بنسالم حميش أن يروض لغته، و يعود بنا الى ارستقراطية لغوية أقرب الى لغة المقامات، و لكنها مع ذلك ارستقراطية جديدة لاتحس فيها بصنعة ثقيلة و لاتكلف مكروه،الا فيما نذر. فمن سجعات لطيفة، الى جناسات ظريفة، يسابق فيها المبنى المعنى، يسافر بنا حميش الى لغة ذاك الزمن، و يعود بنا الى الزمن المشرق هذه اللغة.

نائب رئيس الجمعية المغربية لخدمة اللغة العربية


ads after content
inside after text

شاهد أيضا
عداد الزوار