كشفت دراسة أكاديمية مغربية حديثة أن جهة طنجة تطوان الحسيمة، تتوفر على مؤهلات استراتيجية تجعلها من أبرز المناطق الجاذبة لشركات النقل والخدمات اللوجستية متعددة الجنسيات، غير أن هذه الدينامية الاقتصادية لا تستفيد منها مختلف أقاليم الجهة بالقدر نفسه في ظل استمرار تفاوتات مجالية بين قطب طنجة والمناطق الطرفية.
وتناولت الدراسة التي أعدها الباحثان حسام الإدريسي الخضراوي ومحمد القنديلي من جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، ونشرت مطلع شتنبر 2026 بالمجلة العلمية الدولية (RAILS)، العوامل الترابية المؤثرة في استدامة سلاسل الإمداد وقدرتها على استقطاب الشركات العالمية للنقل.
واعتمد الباحثان في بناء نموذجهما التفسيري للعلاقة بين البنيات التحتية والأداء اللوجستي والجاذبية الاستثمارية، على مراجعة منظمة للأدبيات العلمية وتحليل معطيات مؤسساتية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، ومجموعة طنجة المتوسط، والبنك الدولي، ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، والمكتب الوطني للسكك الحديدية.
وأبرزت الدراسة أن المنظومة المينائية والصناعية لطنجة المتوسط تشكل إحدى أهم نقاط القوة الاقتصادية بالجهة، بالنظر إلى دورها في الربط بين شبكات النقل البحري والبري وتسهيل المبادلات التجارية الدولية، إلى جانب التطور المسجل في رقمنة العمليات اللوجستية.
غير أن الباحثين أشارا إلى وجود اختلال في التوزيع المجالي لهذه المؤهلات، حيث تتمركز أبرز البنيات والخدمات اللوجستية في قطب طنجة، مقابل استفادة أقل للأقاليم الطرفية من الدينامية الاقتصادية المرتبطة بالنقل والتجارة الدولية.
وحددت الدراسة خمسة محددات أساسية للجاذبية اللوجستية، تشمل جودة البنيات التحتية والربط بين وسائل النقل، والحكامة الترابية، والابتكار التكنولوجي، وتأهيل الموارد البشرية، فضلا عن الانتقال الطاقي والاستدامة البيئية.
ووفق النموذج الذي اقترحه الباحثان، فإن توفر الموانئ والمناطق الصناعية وحده لا يكفي لضمان جاذبية اقتصادية مستدامة، بل يتطلب الأمر تنسيقا مؤسساتيا فعالا، وتطوير الكفاءات المهنية، واعتماد التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز الممارسات البيئية في مختلف مراحل سلاسل الإمداد.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في سياق التحولات التي تعرفها جهة طنجة تطوان الحسيمة، حيث يطرح التوسع المستمر للأنشطة المينائية والصناعية تحديات مرتبطة بكيفية توزيع الاستثمارات والفرص الاقتصادية على مختلف المجالات الترابية.
وتفتح الدراسة نقاشا حول قدرة السياسات العمومية على تحويل النجاح اللوجستي لطنجة إلى رافعة تنموية جهوية، بما يسمح للأقاليم الأخرى بالاستفادة من الفرص التي توفرها شبكات التجارة والنقل الدولية.
وشدد الباحثان على الطابع الاستكشافي لدراستهما، موضحين أن النموذج المقترح يحتاج إلى اختبارات ميدانية وإحصائية لاحقة للتحقق من العلاقات المفترضة بين العوامل الترابية والأداء اللوجستي واستقطاب الشركات متعددة الجنسيات.
وبذلك، لا تقدم الدراسة ترتيبا رقميا لأقاليم الجهة أو قياسا مباشرا لحجم الاستثمارات التي فقدتها المناطق الطرفية، لكنها تبرز الحاجة إلى مقاربة تنموية أكثر تكاملا، تجعل من الدينامية الاقتصادية لطنجة فرصة لتعزيز التوازن المجالي على مستوى شمال المملكة.







