خلصت دراسة علمية حديثة إلى أن تجهيز الوحدات الصناعية بأنظمة تجمع إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح وتخزينها في البطاريات من شأنه أن يقلص اعتماد الشركات المغربية على الشبكة العامة، وهو خيار يكتسب وزنا خاصا في طنجة التي أصبحت إحدى أبرز ساحات الانتقال الطاقي الصناعي في المملكة.
وقالت الدراسة، التي نشرت في 13 غشت في مجلة “Sustainability”، إن ما يعرف بالشبكات الكهربائية المصغرة يسمح للمصانع والمنشآت بإنتاج الكهرباء بالقرب من موقع الاستهلاك، وتخزين الفائض، ثم توزيع الطاقة بين الإنتاج والبطاريات والشبكة العامة وفق الطلب.
ويعني ذلك بالنسبة لمصنع في طنجة، على سبيل المثال، تركيب ألواح شمسية فوق الأسطح أو في المساحات التابعة للوحدة، وربطها ببطاريات ونظام رقمي يدير الإنتاج والاستهلاك، بدلا من الاعتماد الكامل على الكهرباء الوافدة من الشبكة.
وراجعت الدراسة تجارب ونماذج أنجزت في مناطق مختلفة من المغرب، وسجلت في بعضها وصول حصة الطاقات المتجددة إلى 97 في المائة من الكهرباء المنتجة، بينما تراوحت الكلفة التقديرية للكيلوواط ساعة بين 0.038 و0.17 دولار بحسب تركيبة كل نظام وظروف تشغيله.
ولا تقدم الورقة تجربة خاصة بطنجة، لكن نتائجها تلتقي مع تحول يجري بالفعل داخل القطب الصناعي الممتد بين المدينة وطنجة المتوسط، حيث تفرض كلفة الطاقة ومتطلبات خفض الانبعاثات نفسها بصورة متزايدة على صناعات مرتبطة بالأسواق الخارجية، وفي مقدمتها السيارات ومكوناتها.
ويقدم مصنع رونو بطنجة أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. وقالت المجموعة الفرنسية في يوليوز إن أكثر من 90 في المائة من احتياجات المصنع من الطاقة تغطيها طاقة الرياح والكتلة الحيوية، وإن منشأة الكتلة الحيوية المستخدمة في الموقع أنتجت خلال 15 عاما أكثر من مليون ميغاواط ساعة من الطاقة وتجنب انبعاث أكثر من 100 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا.
وتحصل وحدة رونو بطنجة على الكهرباء الخضراء من مزارع الرياح المغربية، بينما تستخدم مخلفات عصر الزيتون والخشب المعاد تدويره لتوفير جانب من الحرارة التي تتطلبها العمليات الصناعية، وهي مقاربة جعلت المجموعة تصنف مصنع طنجة ضمن نماذجها المرجعية في خفض الكربون الصناعي.
وتتقدم طنجة المتوسط في الاتجاه نفسه. فمنذ فاتح يناير 2025، أصبح المركب المينائي يحصل على كامل احتياجاته الكهربائية من مصادر خضراء، في إطار برنامج استثماري بقيمة ملياري درهم يستهدف الوصول إلى الحياد الكربوني في أنشطته بحلول 2030.
ولا تقتصر خطة طنجة المتوسط على شراء الكهرباء المتجددة. فقد شرعت المجموعة في إنتاج الطاقة داخل منظومتها، وركبت تجهيزات كهروضوئية على أسطح مبانيها بقدرة إجمالية تبلغ 1.9 ميغاواط، كما وضعت برنامجا لإقامة محطات شمسية بقدرة 11 ميغاواط في مرحلة أولى لفائدة زبنائها الصناعيين.
وأعلنت المجموعة كذلك مشروعا لمحطة شمسية عائمة بقدرة 13 ميغاواط ضمن خطتها لتوسيع الإنتاج الذاتي من الكهرباء الخضراء. وتجمع المنصة الصناعية التابعة لطنجة المتوسط أكثر من 1500 شركة موزعة على قطاعات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية واللوجستيك.
وهنا تكتسب نتائج الدراسة دلالتها بالنسبة لطنجة. فالمسار الجاري حتى الآن يعتمد بدرجة كبيرة على التزود بالكهرباء الخضراء أو إقامة محطات شمسية، بينما تضيف الشبكات المصغرة عنصرا آخر يقوم على تخزين الكهرباء داخل الموقع الصناعي والتحكم في توقيت استهلاكها.
وتقول الدراسة إن دمج البطاريات وأنظمة التحكم يسمح بمواجهة أحد أكبر قيود الطاقة الشمسية والريحية، وهو تغير الإنتاج حسب ساعات اليوم والظروف الجوية، إذ يستطيع المصنع تخزين الفائض عندما يرتفع الإنتاج واستعماله لاحقا عندما تتراجع الشمس أو الرياح.
وتتمتع جهة طنجة تطوان الحسيمة بقاعدة تساعد على توسيع هذا النموذج. ويقول المركز الجهوي للاستثمار إن الجهة تضم خمس مزارع للرياح ومحطة شمسية ومحطتين كهرومائيتين، مع نحو 3000 ساعة من أشعة الشمس سنويا وسرعات رياح تتجاوز سبعة أمتار في الثانية في المواقع الرئيسية.
ويعرض المركز نفسه إنشاء محطات شمسية للاستهلاك الذاتي الصناعي ومزارع رياح خاصة ضمن فرص الاستثمار بالجهة، في مؤشر على انتقال الطاقة المتجددة من قطاع إنتاج الكهرباء إلى عنصر يدخل مباشرة في تنافسية الصناعة.
وتقول الدراسة إن توسيع الشبكات المصغرة في المغرب لا يزال يواجه عقبات تقنية واقتصادية وتنظيمية ومؤسساتية، بما يشمل كلفة التخزين وشروط الاستثمار وتنظيم العلاقة بين الإنتاج الذاتي والشبكة الكهربائية.
لكن بالنسبة لطنجة، حيث بدأت شركات ومؤسسات كبرى بالفعل في خفض اعتمادها على الطاقة الأحفورية، تنقل الدراسة النقاش إلى مرحلة أبعد، من تزويد المصانع بالكهرباء الخضراء إلى جعل الوحدة الإنتاجية نفسها منتجا ومستهلكا ومخزنا للطاقة في آن واحد.







