لماذا التفكير في الانتحار؟!
ads980-250 after header


الإشهار 2

لماذا التفكير في الانتحار؟!

إشهار مابين الصورة والمحتوى

لا أريد الخوض في الحديث عن حكم الانتحار بين التحريم والتجريم لأنه أمر سائغ تمجه الفطرة قبل الشرع، وينكره العقل قبل النقل والسمع، وهو ما تقرر في جميع الديانات السماوية، ولن تجادل نفس سوية جبلت على حب الخير والجمال وقيم الحياة أن تنحر نفسها بنفسها، وتئد أحلامها وتودي بجمالها وآمالها المعلقة على فضل ربها إلى الهلاك، والدمار، والزوال.
فإن الذي ينبغي أن يعلم أنه لهول هذه المصيبة التي لا يرضاها الخالق ولا الخلق، فقد وظفها القرآن الكريم من باب الزجر والتهويل وهو ينهى عن قتل الغير، فقال سبحانه وتعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) أي لا تقتلوا غيركم…
وكأنه جعل قتل النفس بابا عظيما في الجناية، كبيرا في الرزاية، فهول به التفاتا إلى خطورة اقترافه وجرم فعله، وهذا مقتضى ترتيب الشرع له في الذنوب الكبائر، بل أكبر الكبائر..
إذا تجاوزنا ذلك كله ووقفنا عند أسباب وبواعث التفكير في الانتحار، لأنها المقصودة بالعناية ودفع هذا الجرم الخطير عن مجتمعاتنا وبيئاتنا، فسنجد أن مجرد التفكير في الانتحار يعد قضية إيمانية وأخلاقية ونفسية واجتماعية تستدعي التريث والوقوف مليا للإجابة عن تداعياتها، وذلك عبر ما يأتي:
1_ مادام هذا التفكير وآخر الفكرة أول العمل يعلق النفس بمعارضة المقضي من قبل الله، والتطلع إلى الخلاص عبر مخالفة سر الوجود، إذ يخالف المنتحر إرادة الحياة بالموت والفناء، فينشد سعادته في شقائه، ويسارع إلى إعدام وجوده، فهو حقا بعد الشعور بعدم القدرة على الفعل يصبح ساقط التدبير محبط التفكير، وتزدوج عنده الشخصية من خلال صورتين، إحداهما ضعيفة منهارة غير قادرة على التفكير والتدبير، والأخرى قوية في اتخاذ القرار وتنفيذ إعدام الذات..
ومرد ذلك كله في جميع أحواله وأسبابه وتجلياته إلى ضعف الإيمان ولوازمه من الصبر والذكر واليقين والشكر وغيرها، لأن الإيمان حافز قوي على التغلب على كل الشدائد وسبب في زكاة الروح وعمارتها..، والتسليم المطلق بالقدر خيره وشره، حلوه ومره.
وقد يحفظ كثير من المغاربة قول سيدي بهلول الشرقي في الفياشية:
سلم تسلم واعلم أن المقضي كاين
من قوى قلبه عاش في الدنيا متهني
حبوط التفكير هذا من ضعف الوازع الإيماني، الذي يتجدد في القلب بالعمل، ويزرع في النفس السكينة والأمل، وهو متعلق بالقدرة الباطنية على اختزان المدد الرباني، وقد تخذله المعرفة أحيانا لأن متعلقها العقل دون حصول الاهتداء، وقد يتزامن حتما فقد الشعور بالنفس والعقل مع غياب العقل والقلب عن الله، وهذا ما وقع لي قبل شهور، من خلال سؤال مريب عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل شخصية مثقفة واعية، استفسرتني عن التفكير والعزم على الانتحار؟!
فدهشت لأول وهلة، لكن أيقنت أنه أحاط بها العجز والقصور، فوفقني الله تعالى لزجرها وردعها من أقرب طريق إلى القلب، وعادت ولله الحمد إلى رشدها، فلا يستغرب السلوك السلبي ممن يعرف ويعقل بله الذي لا يعرف ولا يعقل.
وهو ما وقع لأشهر المنتحرين في العالم من أهل المعرفة، علماء وفلاسفة وأدباء وحتى أصحاب الحس الجمالي المرهف من الشعراء والفنانين وغيرهم…
بل لهؤلاء اعتراف وإقرار أنهم سائرون إلى حتفهم، وهذا جزء من أشعار أحد الأدباء العرب الكبار قبل انتحاره:
الصمت لف كآبتي….وفمي على الشكوى تجمد
أنا راحل، وغدا، أعود وفي جبيني الشمس تعتقد
سأهز أنوار الفناء، وأنثني، أبدا مخلد..
وأجوب أعماق الجحيم…خطى تمزق كل فرقد…
فالوجهة إذن إنقاذ الذات مما تتخبط فيه، ولا وجه لهذا الإنقاذ من الهلاك إلا الهلاك نفسه.

2_ للمجتمع دور كبير في دحر هذه الظاهرة والقضاء عليها، واستئصالها من عقول جميع الشرائح، وذلك من خلال النبذ المجتمعي عبر ثقافته التداولية وموروثه الشفاهي والسماعي لظاهرة التفكير في الانتحار، لأن مثل هذا الهاجس إذا لقي قبولا، _ ولو لم يلقه لما استفحل في نظري _، فسيزداد شيوعا وانتشارا، لكنه إن قوبل بالزجر والنبذ على مستوى التداول والإسرار والتناجي بين الأفراد، والبوح الاجتماعي عبر المقالة العلمية والوعظية والاجتماعية والنفسية والأدبية من مثل القصة والرواية والشعر …، والإعلامية في وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، فسيصير أمرا ملغى من التفكير والخاطر، بل سيصير عاهة، ومنقصة، ومذمة.

3_ أوعز الفقه إلى نبذ التفكير في الانتحار من خلال تدابير إجرائية اجتهادية، كترك طائفة من الناس الصلاة على المنتحرين، وعدم تفضل العلماء والإمام بالترحم عليهم، وترك الصلاة عليهم فقط لعموم الناس، لأن الصلاة عليهم لا تسقط، كما لا ينتفي الإسلام عنهم وتثبت المعصية فقط.
وهذا أولا تدبير اجتهادي، ثم هو ليس موجها إلى صاحب الفعل، بقدر ما هو توجيه مجتمعي إلى الزجر عن التفكير في الفعل، لأنه إذا استساغ المقبل عليه الحرمان من الرحمة وهو مستيقن لقاء الله، فلم سيلقي بظلفه إلى حتفه وبنفسه إلى عذابه؟!
وهذا من أقصى العلاجات الفقهية القائمة على مبدأ سد الذرائع لظاهرة التفكير هاته، وهي نفسية اجتماعية محضة، ولا يرى القانون إلا معاقبة من يحرض على الانتحار كزجر وحد من انتشاره وشيوعه.
ثم أيضا لما لتصرف المنتحر غالبا من وجه تعلق بالمجتمع والمحيط، ومنها جذب الانتباه إلى حالته قبيل إقدامه على قتل نفسه، كالسقوط من الأعلى، أو الإحراق أو غيره أعاذنا الله وإياكم، فيستنجد بالمجتمع أيضا لاحتواء الظاهرة والإسهام في الحد منها.

4_ نسبية الحياة والسعادة لا تستدعي تهويل المصاب كيفما كان، لأنه بإزاء الشدة الفرج، والعسر متبوع قضاء بيسرين، والمعسور يسقط بالميسور، فلم يبق بعده إلا الجزع ودواؤه الصبر، قال ابن مشيش رضي الله عنه:
وكن صابرا إن شئت تظفر بالمنى
لأن إله الخلق أثنى على الصبر
والمتشبع بقيمة الحياة وفلسفتها يدرك أنه ليس هناك ما يستحق الفناء إلا لقاء الله في أحسن حال متى ما قدر سبحانه وأراد. فالخروج عن هذا القانون جناية على النفس والكون، وتجاوز لحكم الله المطلق، وتحل بالجهل المطبق، وعلاج ذلك كله بالصبر وحسن التدبير، وتكاثف الجهود لاحتواء الظاهرة، ودفعها، ورفعها عن المجتمعات الإنسانية.

5_ ينعكس التفكير غالبا على تصريح وتلويح من قبل المنتحرين بنبذ الحياة، والاشمئزاز من العيش، وابتغاء الراحة في الموت…ناهيك عن الاكتئاب النفسي الشديد، وفقد الأمل في الحياة، وغيرها من التصرفات والعبارات التي توجه إلى وضع اليد على المشكلات الحقيقية وراء تفشي الظاهرة، والتي ينبغي تساند القوى المجتمعية الحية للتفكير حيالها


ads after content
inside after text

شاهد أيضا
عداد الزوار