عاد مشروع التطهير السائل للقطب الحضري القصر الصغير، قصر المجاز إلى الواجهة من بوابة صفقة جديدة لإنجاز محطة لمعالجة المياه العادمة، في خطوة تمنح دفعة جديدة لواحد من المشاريع البيئية والبنيوية التي رافقت منذ سنوات إعادة تشكيل المجال المحيط بميناء طنجة المتوسط.
وطرحت الشركة الجهوية متعددة الخدمات طنجة تطوان الحسيمة طلب عروض دوليا لإنجاز المحطة بكلفة تقديرية تبلغ 48.5 مليون درهم، على أن تفتح العروض في 14 أكتوبر المقبل، وفق معطيات طلب العروض رقم 074/2026/AS المنشور في 24 غشت الجاري.
وتكمن أهمية الصفقة في أنها لا تخص منشأة معزولة، بل تمثل الحلقة التي يفترض أن تستقبل المياه العادمة التي تجمعها شبكات القصر الصغير وقصر المجاز وتنقلها محطات الضخ، ضمن منظومة صممت لتواكب النمو العمراني في المنطقة.
وبحسب دراسة الأثر البيئي التي أعدت لفائدة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، فإن الشبكة القائمة عند إعداد المشروع كانت تغطي أجزاء محدودة من المنطقة، بينما كانت تجمعات غير مرتبطة بها تعتمد الحفر الصحية والآبار الضائعة لتصريف المياه العادمة.
وتظهر الدراسة نفسها أن المشروع جاء في سياق التحولات العمرانية والاقتصادية التي عرفها إقليم الفحص أنجرة بالتوازي مع تطور مركب طنجة المتوسط والمنشآت اللوجستية المرتبطة به.
ولهذا بدأ العمل على مشروع متكامل للتطهير السائل منذ أكثر من عقد، عندما كان المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يتولى تدبير الملف، إلى جانب عمالة الفحص أنجرة والجماعتين والوكالة الحضرية ووكالة الحوض المائي اللوكوس وعدد من المصالح الحكومية، وفق الوثائق التقنية ومحاضر التتبع المرفقة بدراسة المشروع.
وتوزعت المسؤوليات حينها بين إعداد الدراسات التقنية والبيئية، وتحديد مسارات الشبكات، واختيار مواقع محطات الضخ ومحطة المعالجة، وتوفير العقارات اللازمة لإنجاز المنشآت.
وخلال السنوات التالية، تغير التصور التقني للمحطة نفسها. وتفيد وثيقة رسمية للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بأن لجنة التتبع المحلية صادقت بالإجماع، في اجتماع عقد بإقليم الفحص أنجرة في شتنبر 2021، على التخلي عن نظام “الأسرة البكتيرية” الذي كان مقررا في البداية، واعتماد تقنية SBR القائمة على الحمأة المنشطة.
وبموجب هذا الاختيار، صممت المحطة لاستقبال المياه العادمة القادمة من القصر الصغير وقصر المجاز ومعالجتها قبل تصريفها، ضمن منظومة تراعي حاجيات القطب وتوقعات توسعه الديمغرافي والعمراني.
وكان المشروع قد وصل إلى مرحلة الصفقات في أكثر من مناسبة. وتظهر وثائق طلب عروض نشرها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب سنة 2021 أنه طرح محطة المعالجة للتصميم والإنجاز، بكلفة تقديرية إجمالية بلغت حينها نحو 45.5 مليون درهم، في إطار تمويل مشترك بين الوكالة الفرنسية للتنمية والبنك الألماني للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار والاتحاد الأوروبي.
وعاد المكتب سنة 2024 إلى طرح محطة المعالجة في طلب عروض دولي جديد، قدرت فيه كلفة الأشغال بنحو 42.96 مليون درهم، إلى جانب 2.56 مليون درهم لتشغيل المنشأة، أي ما مجموعه حوالي 45.52 مليون درهم. ونص الإعلان على تمويل الأشغال من البنك الألماني للتنمية KfW في إطار برنامج APC III.
كما ظلت مكونات أخرى للمشروع مرتبطة بالتمويل الأوروبي. ففي أبريل 2024 طرح المكتب صفقة الخط الكهربائي الخاص بمنظومة التطهير، ونص إعلانها على تمويل مشترك من الوكالة الفرنسية للتنمية والبنك الألماني للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار والاتحاد الأوروبي.
ويدرج البنك الأوروبي للاستثمار بدوره محطة القصر الصغير، قصر المجاز ضمن المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للتطهير السائل، الذي وقع البنك بشأنه تمويلا بقيمة 34 مليون يورو سنة 2017.
لكن الخريطة المؤسساتية للمشروع تغيرت منذ شتنبر 2025، مع دخول الشركة الجهوية متعددة الخدمات طنجة تطوان الحسيمة مرحلة العمل وتوليها تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل في الجهة، بما يشمل إنجاز الاستثمارات المرتبطة بهذه القطاعات واستغلالها.
ومن هنا تأتي صفقة غشت 2026 باعتبارها عودة للمحطة إلى السوق تحت إشراف الحامل الجديد للمرفق، بعد سنوات كان فيها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يقود الدراسات والبرمجة التقنية للمشروع.
ولا تحدد وثائق الصفقة المنشورة حتى الآن مصدر تمويل المحطة في نسختها الجديدة، لكنها تضع قيمة الأشغال عند 48.516 مليون درهم، مقابل تقدير بلغ 42.96 مليون درهم للأشغال في طلب العروض السابق لسنة 2024.
وبالنسبة للقصر الصغير وقصر المجاز، لا يتعلق الأمر فقط بإضافة محطة لمعالجة المياه العادمة، بل باستكمال بنية يفترض أن تواكب التحول العمراني لمنطقة أصبحت جزءا من المجال الاقتصادي والمينائي المحيط بطنجة المتوسط.
ويجعل هذا الموقع من ملف التطهير السائل أحد عناصر البنية الأساسية المطلوبة لمواكبة مزيد من التوسع العمراني والأنشطة الجديدة، في وقت تنتقل فيه مسؤولية تنفيذ هذه الاستثمارات إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات ضمن نموذج التدبير الجديد.







