لكل باب من أبواب طنجة العتيقة حكاية، ولكل حكاية صفحات من تاريخ المدينة وذاكرتها.
تضرب لكم “طنجة 24” موعدا يوميا مع سلسلة تاريخية جديدة بعنوان “أبواب طنجة العتيقة”، من إعداد الدكتور أحمد الطلحي، الخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية.
تابعونا في رحلة للتعرف على تاريخ طنجة من خلال أبواب مدينتها العتيقة.
إعداد: د. أحمد الطلحي °
تعتبر باب الفحص من أشهر أبواب طنجة، بالرغم من كونها حديثة العهد مقارنة بالأبواب الأخرى. ويرجع السبب في ذلك بالأساس إلى الفضاء الذي تنفتح عليه الباب، هذا الفضاء الذي كان مكان السوق الأسبوعي الوحيد للمدينة والذي كان يسمى “سوق دبارا”، قبل أن يتحول إلى ساحة عمومية ومركزا للمدينة، حيث كانت به محطة حافلات النقل الحضري التي كانت جميع خطوطه تقريبا تربط بين المنطقة ومختلف أحياء المدينة، كما كانت به محطات سيارات الأجرة الكبيرة التي تنقل السكان أيضا من وإلى عدد من الأحياء.
ولقد عرفت المنطقة أحداثا تاريخية كبيرة، أهمها إلقاء المغفور له محمد الخامس لخطاب 9 أبريل 1947، وهي المناسبة التي أطلقت على اسم الساحة. كما كانت الساحة (سوق دبارا) وبعض مناطق المدينة العتيقة (الصياغين والسوق الداخل) مسرحا لأحداث 30 مارس 1952 الدامية والتي سميت بالأحد الأسود والتي ذهب ضحيتها العشرات من القتلى.
كما كانت باب الفحص مع سوق دبارا موضوع اللوحات الفنية الأقدم للمدينة، بل إن الصور الفوتوغرافية الأولى في المغرب كانت للمنطقة والتقطت في سبعينيات القرن ال19.
باب الفحص وسيدي المخفي والسوق دبارا في عام 1878
وسميت باب الفحص بهذا الاسم لأنها كانت تفتح على الطرق المتجهة إلى منطقة الفحص، كما هي العادة بالنسبة لعدد من الأبواب التاريخية المغربية التي تسمى بأسماء المناطق التي تنفتح في اتجاهها، فنجد مثلا: باب سبتة وباب فاس في سلا، وباب مراكش وباب دكالة في الدار البيضاء، وباب دكالة وباب أغمات في مراكش، وباب شالة وباب تامسنا في الرباط، وباب مراكش وباب دكالة في الصويرة.
وفحص طنجة هي المناطق الواقعة في جنوب المدينة. وكلمة “الفحص” ممكن أن يكون أصلها من الأندلس وتعني المناطق المنبسطة القريبة من المدينة، حيث جاء في المصادر الأندلسية “فحص بلينسية”. وقد ذهب البعض إلى رد أصل التسمية إلى مرادف كلمة “التفتيش”، بحيث كان يوجد بالباب مركزا للحرس “المخازنية” الذين كانوا يقومون بتفتيش الداخلين إلى المدينة، وإلى حدود 1916 كانت الباب تغلق أبوابها الخشبية عند المغرب ولا تفتح إلا في الصباح.
باب الفحص في عام 1908 حينما كانت به حراسة
لا بد من التذكير أن باب الفحص القديمة كانت هي باب الصياغين أو باب فاس التي هدمت.
أما باب الفحص الجديدة فهي بنيت في عام 1860 في المكان الذي عليه الآن، وكانت عبارة عن باب صغيرة. وهناك رواية أخرى تقول بأن هذه الباب الصغيرة فتحت في عام 1844.
باب الفحص الصغيرة
تمت توسعة باب الفحص الجديدة في عام 1897 أو 1898. وتم تنفيذ أشغال توسعة الباب من قبل مقاولة المهندس المعماري البريطاني جيمس طومسون بورطون وشركاؤه.
أما ميشو بلير فيرى أن الشكل الأخير للباب فقد اتخذته بعد الأشغال التي عرفتها في عام 1900(*).
باب الفحص في عام 1890
وهناك روايات أخرى لتاريخ باب الفحص، منها التي تقول بأن الباب بنيت في القرن ال13 أو ال14، في عهد المرينيين. ورواية تقول بأن الباب كانت موجودة خلال الاحتلالين البرتغالي والانجليزي، وأنها دمرت مع بقية أبواب وأسوار المدينة من قبل الانجليز عند انسحابهم من المدينة بعد الهزيمة التي منيت بها جيوشهم على يد المجاهدين المغاربة بقيادة المولى إسماعيل في عام 1684، وأنه بعد ذلك أعيد بناؤها مع باقي البنيات والمرافق التي تهدمت، خصوصا في عهد المولى سليمان.
أما الشكل الحالي للباب، فيظهر أنها اتخذته في أواخر الخمسينيات من القرن ال20، حيث تمت إزالة الفتحات الثلاث التي كانت في الجزء العلوي للباب، كما هو ملاحظ في الصورة التي يرجع تاريخها إلى العام 1959.
——-
(*) Tanger et sa zone, Résidence générale de la république française au Maroc, Direction des affaires indigènes et du service des renseignements, Paris 1921, p 135.
خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية







