على الورق، تبدو طنجة أصيلة آخر دائرة يمكن البحث فيها عن وزن حاسم للقرية. إذ يعيش نحو 1.4 مليون شخص من أصل 1.49 مليون نسمة بالعمالة في الوسط الحضري، فيما لا يتجاوز سكان الوسط القروي 91 ألفا و745 نسمة، أي نحو ستة في المائة من مجموع السكان. غير أن نظرة إلى لوائح انتخابات 23 شتنبر تكفي لإظهار أن الحسابات السياسية لا تسير دائما على خط الديمغرافيا.
فبين أسماء المرشحين، يحضر رئيس جماعة دار الشاوي سعيد الزلال ضمن لائحة الأصالة والمعاصرة، ورئيس جماعة سيدي اليماني مصطفى الحشلوفي ضمن لائحة العدالة والتنمية، فيما يعود عبد القادر الطاهر، الرئيس السابق لجماعتي حجر النحل وبوخالف، للدفاع عن مقعده باسم الاتحاد الاشتراكي.
وفي المقابل، يحمل محمد الحمامي معه رصيدا حزبيا يمتد إلى العوامة، إحدى أبرز نقاط قوة الاستقلال خارج مدينة طنجة، بينما تدخل الحركة الشعبية المعركة بمحمد الزموري ومعه أحمد الجعايدي، نائب رئيس جماعة أصيلة.
وليست هذه الأسماء تفصيلا في هندسة اللوائح، فالقرية، حتى عندما تصغر على خريطة السكان، تكبر داخل الحساب الانتخابي.
ومن يعرف خرائط التصويت في طنجة أصيلة يدرك أن الطريق إلى المقاعد الخمسة لا يرسم داخل أحياء طنجة وحدها، بل يمتد أيضا إلى العوامة وحجر النحل ودار الشاوي وحد الغربية وسيدي اليماني والساحل الشمالي وأقواس برييش والمنزلة وسبت الزينات.
وزن مضاعف
وتكشف الأرقام الوطنية جانبا من سر هذا الاهتمام. فمن أصل 15.8 مليون ناخب مسجل في اللوائح النهائية لانتخابات 2026، يعيش 45 في المائة في الوسط القروي، أي نحو 7.1 ملايين ناخب، مقابل 55 في المائة في المدن.
ويبدو الرقم أكثر دلالة عند مقارنته بالتركيبة السكانية للمغرب، إذ لا يمثل سكان القرى سوى 37.2 في المائة من السكان بحسب إحصاء 2024. ومعنى ذلك أن الوزن القروي داخل الهيئة الناخبة يتجاوز وزنه داخل الخريطة الديمغرافية بنحو ثماني نقاط.
ولا يتعلق الأمر بظاهرة جديدة. فقبل انتخابات 2021، أظهرت المندوبية السامية للتخطيط أن 94.3 في المائة من السكان القرويين الموجودين في سن التصويت كانوا مسجلين في اللوائح، مقابل 56.7 في المائة فقط بالوسط الحضري، فيما بلغ عدد المسجلين القرويين آنذاك أكثر من ثمانية ملايين ناخب.
وبهذه الأرقام، لا تعود القرية فضاء صغيرا تستدعيه الأحزاب لاستكمال صورة الحملة، بل تصبح كتلة انتخابية قائمة بذاتها، وتمتاز، فوق ذلك، بخصائص تجعل الوصول إليها مختلفا عن استمالة ناخب مدينة مليونية.
ففي حي حضري واسع، قد يعيش آلاف الناخبين الذين لا يعرف المرشح أسماءهم ولا تربطهم به صلة مباشرة، بينما تمر السياسة في جماعة قروية، في الغالب، عبر شبكات أقصر، من رئيس جماعة ومستشار ومنتخب سابق وفاعل جمعوي، إلى أسرة ممتدة أو شخصية راكمت حضورا محليا على مدى سنوات. ومن ثم تصبح قيمة بعض المرشحين داخل الأحزاب مرتبطة بقدرتهم على الوصول إلى دوائر اجتماعية محددة، أكثر من ارتباطها بحضورهم في النقاش السياسي العام. وتكشف طنجة أصيلة هذه المعادلة بوضوح.
شبكات القرى
فقد اختار الأصالة والمعاصرة سعيد الزلال في المرتبة الرابعة من لائحته التي يقودها عبد اللطيف الغلبزوري.
والزلال ليس اسما مضافا لإكمال خمسة مرشحين، بل رئيس جماعة دار الشاوي منذ انتخابات 2021، حيث حصل “البام” على عشرة مقاعد من أصل 16، مقابل ثلاثة للعدالة والتنمية، ومقعدين للاتحاد الدستوري، ومقعد واحد للأحرار.
ومن زاوية الحساب الانتخابي، يمنح وجوده الحزب جسرا مباشرا إلى جماعة يسيطر عليها محليا، كما يضع داخل اللائحة شخصا يعرف تضاريس جزء من المجال القروي وشبكاته الانتخابية.
وإلى جانب ذلك، يجعل حضور جابر العدلاني، نائب رئيس جماعة أصيلة، في المرتبة الثالثة، اللائحة موزعة بين مراكز نفوذ مختلفة، ولا يحصرها في قلب طنجة الحضري.
أما الاستقلال، فلا يضع رئيس جماعة قروية على رأس لائحته، لكنه يدخل السباق برصيد يصعب فصله عن العوامة. ففي انتخابات 2021 حصد الحزب 16 مقعدا من أصل 18 في مجلس الجماعة، وانتخب حسن الفتوح رئيسا لها.
كما أظهرت انتخابات مجلس العمالة في العام نفسه وجود منتخبين استقلاليين من العوامة واكزناية ضمن الكتلة التي صوتت للحزب.
ويأتي محمد الحمامي، وكيل لائحة 2026 والنائب الفائز بمقعد سنة 2021، إلى الانتخابات الجديدة وهو يستند إلى تنظيم احتفظ بهذه الجيوب، رغم تغير وجوه المنافسة.
ويحمل الاتحاد الاشتراكي حالة مختلفة. فعبد القادر الطاهر لا يرأس حاليا جماعة قروية، لكنه راكم تجربة سابقة في رئاسة حجر النحل وبوخالف، قبل أن يصبح نائبا برلمانيا عن طنجة أصيلة.
وفي حجر النحل تحديدا، حصل الاتحاد الاشتراكي سنة 2021 على خمسة مقاعد، مقابل 13 للاتحاد الدستوري. ولذلك يدخل الطاهر السباق بذاكرة انتخابية تتجاوز حدود المدينة، وإن كان عليه هذه المرة العمل داخل خريطة تغيرت فيها الولاءات واللافتات الحزبية.
أما العدالة والتنمية، الذي خرج من تشريعيات 2021 بلا مقعد في طنجة أصيلة، فقد وضع رئيس جماعة سيدي اليماني مصطفى الحشلوفي في المرتبة الثالثة، خلف محمد بوزيدان وعائشة مجاهد.
ويأتي الاختيار من جماعة حصل فيها الحزب على أربعة مقاعد سنة 2021، بينما تصدر الأصالة والمعاصرة بثمانية مقاعد، وحصل الأحرار والاتحاد الاشتراكي على ثلاثة لكل منهما.
وهنا يصبح وجود الحشلوفي داخل اللائحة مفهوما في سياق أبعد من صفته التنظيمية، إذ إن حزبا يسعى إلى العودة إلى البرلمان بعد خسارة 2021 يحتاج إلى البحث عن أصوات في كل المساحات الممكنة، ومن بينها جماعة يتولى أحد مرشحيه رئاستها.
الولاءات المتحركة
غير أن الخزان القروي لا يبقى دائما في مكانه، وهذه واحدة من أكثر نقاط انتخابات 2026 إثارة في طنجة أصيلة.
ففي 2021، بنى الاتحاد الدستوري شبكة واسعة خارج المدينة، إذ حصل على 13 مقعدا من أصل 18 في حجر النحل، و13 من 18 في حد الغربية، وخمسة في أقواس برييش، كما تقاسم صدارة الساحل الشمالي مع التجمع الوطني للأحرار، وامتلك تمثيلا في دار الشاوي وجماعات أخرى.
لكن الحزب الذي امتلك هذه الخريطة قبل خمسة أعوام يدخل الانتخابات التشريعية الحالية بعدما فقد محمد الزموري، نائبه البرلماني الفائز سنة 2021، والذي انتقل إلى الحركة الشعبية وأصبح وكيلا للائحتها.
ولذلك لا يتعلق السؤال بما إذا كانت الحركة الشعبية تمتلك اليوم “رصيد الاتحاد الدستوري”، فالأصوات لا تنتقل آليا مع انتقال المرشح، كما أن المستشارين لا يشكلون ملكية شخصية لوكيل اللائحة. وإنما يتعلق الاختبار الحقيقي بمعرفة الجزء الذي كان مرتبطا بالحزب، والجزء الذي تشكل حول الأشخاص وشبكات المصالح والعلاقات المحلية.
ومن هنا تحمل جماعات مثل حجر النحل وحد الغربية قيمة خاصة في قراءة ليلة 23 شتنبر. فإذا استطاعت الحركة الشعبية اختراقها بوضوح، فسيعني ذلك أن جزءا من الشبكة القديمة تحرك مع الزموري، أما إذا حافظ الاتحاد الدستوري على حضور مؤثر فيها، فسيكون الحزب قد أثبت أن قاعدته المحلية أكثر تماسكا من مغادرة وكيله البرلماني السابق.
ويواجه التجمع الوطني للأحرار معادلة أخرى. فلائحته الحالية تبدو أكثر ميلا نحو المدينة، إذ يقودها عبد الواحد بولعيش وتضم طارق التليكي ونزهة أشرقي وحنان الطاهري ونعمان الرغيوي، من دون رئيس جماعة قروية ضمن الأسماء الخمسة.
لكن ذلك لا يجعل الحزب غائبا عن الريف الانتخابي. ففي جماعيات 2021 حصل على نصف مقاعد الساحل الشمالي، وأربعة مقاعد في أقواس برييش، وثلاثة في سيدي اليماني، ومقعد في دار الشاوي.
كما سبق أن عمل قبل انتخابات 2021 على استقطاب رؤساء ومستشارين من الجماعات القروية، في مؤشر على أن الحزب نفسه يعرف منذ سنوات قيمة هذه الشبكات.
وتكشف هذه الحالات أن الأحزاب لا تتعامل مع العالم القروي بالطريقة نفسها. فبعضها يضع رئيس جماعة داخل اللائحة، وبعضها يعتمد على رصيد حزبي قديم، وبعضها يراهن على منتخب انتقل معه جزء من شبكة سابقة، فيما يدخل بعضها الآخر بمراكز ثقل حضرية ثم يستدعي مستشاريه ومنتخبيه القرويين لتأمين الامتداد خارج المدينة.
أكثر من سكان
وتزداد المفارقة وضوحا حين نعود إلى أرقام طنجة أصيلة نفسها. فقد ارتفع عدد سكان العمالة بين 2014 و2024 من نحو 1.06 مليون إلى 1.49 مليون نسمة، غير أن النمو لم يكن موزعا بالتساوي.
فحجر النحل، مثلا، انتقلت من نحو 9800 نسمة إلى أكثر من 27 ألفا خلال عشر سنوات، بينما ارتفعت العوامة من ثمانية آلاف إلى أكثر من 19 ألفا. كما نما عدد سكان الوسط القروي بالعمالة من نحو 60 ألفا إلى أكثر من 91 ألفا.
ولم تعد هذه المناطق كلها قرى بالمعنى التقليدي القديم. فبعضها أصبح جزءا من الحزام المتحرك حول طنجة، حيث تتقاطع الزراعة والسكن الجديد والمصانع والطرق ومشاريع التعمير والهجرة الداخلية.
ومع هذا التحول، تتغير المطالب أيضا، فتغدو الأرض والتعمير والنقل والماء والطرق وفرص العمل والخدمات المحلية قضايا انتخابية مباشرة، فيما يصبح رئيس الجماعة أو المنتخب المحلي في تماس يومي معها.
وهنا تحديدا تتضاعف قيمة الشبكة المحلية. فالناخب لا يرى البرلمان منفصلا دائما عن الجماعة، ولا يقسم المسؤولية بالضرورة بين اختصاصات الدولة والمجلس الجماعي والجهة.
وحين تتعطل طريق، أو تتأخر وثيقة، أو يغيب النقل، أو يثار نزاع حول التعمير، يصبح المنتخب الأقرب هو العنوان الأول للطلب أو الغضب. ثم تتحول هذه العلاقة المتراكمة، عند حلول موعد الاقتراع، إلى رأسمال تحاول الأحزاب تحويله إلى أصوات.
ولا يعني ذلك أن سكان القرى يصوتون كتلة واحدة، أو أن رئيس الجماعة يملك أصوات سكان جماعته، بل إن نتائج 2021 نفسها تنفي ذلك. فسيدي اليماني توزعت بين أربعة أحزاب، وأقواس برييش بين أربعة، والساحل الشمالي تقاسمه الأحرار والاتحاد الدستوري مع حضور لأحزاب أخرى. ولذلك يظل حتى النفوذ المحلي معرضا للاختبار عند كل استحقاق.
لكن الأحزاب لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على قرية حتى تستفيد منها. ففي دائرة لا توزع سوى خمسة مقاعد، ويتزاحم عليها عدد كبير من اللوائح، تصبح بضعة آلاف من الأصوات المنظمة ذات قيمة مختلفة عن كتلة أكبر يصعب تعبئتها داخل مدينة واسعة.
ولهذا لا تمر أسماء رؤساء الجماعات والمنتخبين القرويين في لوائح 2026 مصادفة، بل تعكس معرفة قديمة داخل الأحزاب بأن الخريطة الانتخابية ليست نسخة من خريطة السكان.
فطنجة تملك الكتلة الديمغرافية الأكبر، وفيها يوجد معظم ناخبي الدائرة، لكن خارج شوارعها وأحيائها توجد جماعات أصغر يعرف المرشحون طرقها وأسماء منتخبيها ونتائج صناديقها السابقة بدقة.
ومع اقتراب موعد التصويت، ستعود تلك الجماعات إلى مركز الحسابات، لا لأنها أكبر من المدينة، وإنما لأن السياسة الانتخابية تقيس الأرض بعدد الأصوات التي تستطيع إخراجها من البيوت إلى الصناديق، لا بعدد السكان المكتوب في سجلات الإحصاء.







