كشفت معطيات أوردها تحقيق دولي عن تحول المغرب إلى إحدى حلقات مسار جديد تستخدمه شبكات الاتجار غير المشروع في ثعبان البحر الأوروبي، أحد الأنواع المهددة بشدة بالانقراض، لنقل صغار هذه الأسماك من أوروبا في اتجاه الأسواق الآسيوية، في تجارة غير قانونية تدر أرباحا بمليارات اليوروهات.
وأفادت دويتشه فيله، في تحقيق نشرته الأربعاء، بأن تشديد السلطات الإسبانية مراقبتها للرحلات الجوية المتجهة نحو شرق آسيا دفع شبكات التهريب إلى البحث عن مسارات أكثر تعقيدا، ليبرز خلال السنوات الأخيرة طريق يمر عبر شمال إفريقيا، خصوصا المغرب وموريتانيا والسنغال.
وبحسب التحقيق، كان مطار مدريد قبل نحو عشر سنوات من أبرز نقاط تهريب ثعبان البحر الأوروبي، مستفيدا من قربه من مناطق صيده في شمال إسبانيا والبرتغال، قبل أن تؤدي عمليات المراقبة والتضييق الأمني إلى دفع المهربين نحو تغيير أساليبهم ومساراتهم.
ويكتسي المغرب أهمية خاصة ضمن الخريطة الجديدة بالنظر إلى موقعه الجغرافي وقربه من شبه الجزيرة الإيبيرية، إذ لا تتجاوز المسافة في أضيق نقطة من مضيق جبل طارق نحو 14 كيلومترا، فضلا عن كثافة حركة النقل البحري بين الضفتين.
كما يوجد ثعبان البحر الأوروبي بشكل طبيعي في الأنهار ومصبات المياه بالمغرب، فيما يحظر المغرب تصدير صغاره التي يقل طولها عن 12 سنتيمترا، بالتوازي مع وجود نشاط تجاري قانوني محلي مرتبط بهذا النوع من الأسماك.
غير أن خبراء تحدثوا إلى دويتشه فيله أبدوا مخاوف من إمكانية استغلال النشاط القانوني كغطاء لتمرير صغار ثعبان البحر المهربة من أوروبا، قبل مواصلة رحلتها عبر مسارات مختلفة وصولا إلى آسيا.
وتعتمد شبكات التهريب، بحسب المصدر ذاته، وسائل تبدو في بعض الحالات بسيطة مقارنة بالقيمة المالية الكبيرة للشحنات، إذ يمكن نقل صغار ثعبان البحر داخل حقائب عادية على متن الرحلات الجوية الداخلية، بعد وضعها في أكياس تحتوي على كميات محدودة من المياه وعزلها بطريقة تحافظ على درجة الحرارة المناسبة.
ويمكن لهذه الأسماك الصغيرة البقاء على قيد الحياة في هذه الظروف لمدة تصل إلى 48 ساعة، وهي فترة تمنح المهربين هامشا لنقلها عبر عدة محطات قبل وصولها إلى وجهتها النهائية، حيث يجري توجيهها أساسا نحو مزارع تربية الأسماك في آسيا.
وتفسر الأرباح الضخمة جانبا من توسع هذه التجارة، إذ يصل سعر الكيلوغرام الواحد من صغار ثعبان البحر الشفافة، المعروفة باسم “Glass eels”، إلى نحو 9000 يورو، مدفوعا بالطلب القوي في الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
وتواجه مزارع تربية ثعبان البحر صعوبة كبيرة في تكاثره داخل الأسر، ما يجعلها تعتمد على صغار يتم اصطيادها من الطبيعة، وهو ما رفع قيمتها وحولها إلى سلعة تستقطب شبكات الجريمة المنظمة.
وتشير التقديرات التي أوردها التحقيق إلى أن التجارة غير المشروعة في ثعبان البحر الأوروبي يمكن أن تحقق، في سنوات الذروة، أرباحا تقدر بنحو ثلاثة مليارات يورو، فيما قدرت كميات الصغار المهربة سنويا في وقت سابق بما يصل إلى 100 طن، أي ما يعادل حوالي 300 مليون سمكة، وسط اعتقاد بأن الحجم الحقيقي قد يكون أكبر.
وتأتي هذه التجارة في وقت يواجه فيه ثعبان البحر الأوروبي وضعا بيئيا حرجا، بعدما تراجعت أعداده بنحو 95 في المائة مقارنة بمستويات ثمانينيات القرن الماضي، بينما لا ينجح، وفق المعطيات التي أوردها التحقيق، سوى نحو 12 في المائة منه في اجتياز الرحلة الطبيعية من بحر سارغاسو في شمال المحيط الأطلسي إلى خليج بسكاي والمجاري المائية المرتبطة به.
وكان الاتحاد الأوروبي قد حظر منذ سنة 2010 تصدير ثعبان البحر الأوروبي إلى خارج دوله في محاولة لحماية النوع، غير أن القيود فتحت في المقابل المجال أمام شبكات إجرامية لتطوير طرق سرية لنقله إلى الأسواق الآسيوية.
وتواصل الأجهزة الأمنية الأوروبية ملاحقة هذه الشبكات، إذ أسفرت عملية “Lake” التي تنسقها “يوروبول” عن حجز 22 طنا من صغار ثعبان البحر وتوقيف 26 مشتبها فيه خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2025، في وقت يرى فيه مسؤولون أمنيون أن الضغط المتزايد على شبكات التهريب داخل أوروبا يدفعها باستمرار إلى البحث عن طرق بديلة.
ويضع بروز المسار العابر للمغرب وشمال إفريقيا هذه التجارة البيئية غير المشروعة أمام تحديات جديدة، بالنظر إلى قدرة شبكات التهريب على تغيير خطوط النقل والاستفادة من تعدد الرحلات والمسارات بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، في تجارة باتت تقارن، من حيث الأرباح وأساليب عمل الشبكات، بتجارة المخدرات.







