تدفع الليالي الحارة آلاف الأشخاص إلى النوم ساعات أقل من الحد الصحي، فيما تظهر بيانات جمعتها أجهزة قابلة للارتداء أن ارتفاع الحرارة لا يؤخر الاستغراق في النوم فحسب، بل يقتطع أيضا من النوم العميق الذي يحتاجه الجسم للتعافي.
وحذر فريق دولي من علماء النوم، في ورقة نشرتها مجلة «سليب» العلمية، من تحول الاحترار الليلي إلى قضية للصحة العامة، داعيا إلى إنشاء فريق عالمي يتولى رصد أثر المناخ في النوم، بعدما أظهرت نتائج متقاطعة أن التأثير يتسع كلما ازدادت الليالي حرارة.
وقدر الباحثون أنه من بين كل مئة ألف شخص يتعرضون لليلة تبلغ حرارتها نحو 27 درجة مئوية، يسجل نحو 9300 شخص إضافي نوما يقل عن ست ساعات، مقارنة بليلة ذات حرارة معتدلة.
ويضع هذا التقدير اضطراب النوم في قلب الأضرار الصحية لموجات الحر، التي يتركز التعامل معها عادة على الجفاف والإجهاد الحراري ومخاطر القلب والتنفس، بينما يظل ما يحدث خلال الليل أقل حضورا في خطط الوقاية.
وجاء التحذير بعد تراكم دراسات واسعة اعتمدت قياسات موضوعية للنوم، بدلا من الاكتفاء بسؤال المشاركين عن شعورهم في الصباح.
ومن أوسع هذه الدراسات بحث نشرته مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» سنة 2025، وحلل أكثر من 23 مليون سجل يومي للنوم، جُمعت بواسطة أجهزة ذكية يرتديها المشاركون.
ووجد الباحثون أن كل ارتفاع قدره عشر درجات مئوية في متوسط الحرارة اليومية ارتبط بزيادة احتمال عدم الحصول على نوم كاف بنسبة 20,1 في المئة.
كما تقلصت مدة النوم الإجمالية بنحو تسع دقائق و40 ثانية في المتوسط، بينها ثلاث دقائق و35 ثانية من النوم العميق، وأربع دقائق من النوم الخفيف، ودقيقتان تقريبا من نوم الأحلام، المعروف علميا بنوم حركة العين السريعة.
وقد تبدو خسارة بضع دقائق في ليلة واحدة محدودة، لكنها تتحول خلال موجة حر تمتد أياما أو أسابيع إلى دين نوم متراكم، خصوصا عندما تحتفظ الجدران والأسقف بالحرارة بعد انخفاضها في الخارج.
وأظهرت الدراسة أن النوم العميق كان من أكثر المراحل تأثرا. وترتبط هذه المرحلة باستعادة النشاط الجسدي، وإصلاح الأنسجة، ودعم المناعة، بينما يؤدي تراجعها بصورة متكررة إلى الاستيقاظ مع شعور بالإرهاق حتى بعد قضاء ساعات طويلة في السرير.
ورصد الباحثون أثرا أشد لدى الأشخاص الذين تجاوزوا 45 عاما، والنساء، ومن يعانون زيادة في الوزن، وكذلك في الليالي التي تجتمع فيها الحرارة المرتفعة مع الرطوبة العالية.
وتحد الرطوبة من قدرة العرق على التبخر، وهي إحدى الوسائل الأساسية التي يستخدمها الجسم للتخلص من الحرارة. وعندما تتراجع هذه القدرة، يضطر الجسم إلى مواصلة العمل للحفاظ على توازنه الحراري، بدلا من الانتقال بسلاسة إلى مراحل النوم المستقرة.
ويحتاج الإنسان قبل النوم إلى خفض حرارته الداخلية تدريجيا. وتتوسع الأوعية الدموية القريبة من الجلد، خصوصا في اليدين والقدمين، لتسريب الحرارة إلى الخارج، بالتزامن مع الإشارات التي تنظم الساعة البيولوجية والاستعداد للنوم.
لكن الغرفة الساخنة تقلص الفارق بين حرارة الجلد والهواء المحيط، فتتعطل عملية التبريد، ويتأخر النوم أو يصبح أكثر عرضة للانقطاع.
ويزيد التعرق والشعور بالعطش والتصاق الملابس والأغطية بالجسم من مرات الاستيقاظ، حتى عندما لا يتذكر النائم هذه الانقطاعات في الصباح.
وأكدت دراسة أميركية نشرتها مجلة «إنفايرومنت إنترناشونال» أواخر سنة 2025 الاتجاه نفسه، بعدما حللت أكثر من 12,5 مليون ليلة مسجلة لدى 14 ألفا و232 بالغا بين عامي 2010 و2022.
ووجدت أن ارتفاع حرارة الليل مقارنة بمعدلاتها المعتادة كان أكثر تأثيرا في مدة النوم من ارتفاع حرارة النهار. وارتبط ارتفاع الفارق الحراري الليلي بعشر درجات بخسارة دقيقتين و38 ثانية من النوم في الليلة الواحدة.
كما شملت التأثيرات تأخر موعد النوم، وزيادة الوقت الذي يقضيه الشخص مستيقظا في السرير، واضطراب استمرارية النوم ومراحله.
وسجل الباحثون تأثيرا أكبر لدى النساء، والأشخاص ذوي الدخل المحدود، والمصابين بأمراض مزمنة، وهي فئات قد تقل قدرتها على تبريد مساكنها أو تكون أكثر حساسية للإجهاد الحراري.
وكشفت دراسة عالمية سابقة، شملت أكثر من سبعة ملايين سجل للنوم لدى 47 ألفا و628 شخصا في 68 دولة، أن الليالي التي تتجاوز حرارتها 30 درجة تقلص النوم بنحو 14 دقيقة في المتوسط.
وعزت الدراسة الجزء الأكبر من الخسارة إلى تأخر موعد النوم، بينما لم يتغير موعد الاستيقاظ بالقدر نفسه، لأن مواعيد العمل والدراسة والالتزامات اليومية تظل ثابتة مهما تأخر الشخص في النوم.
كما لم تجد البيانات دليلا قويا على أن السكان يتكيفون تماما مع الحرارة بمرور الوقت. فقد بقي سكان المناطق الحارة يخسرون قدرا أكبر من النوم مع كل درجة إضافية، رغم اعتيادهم مناخا دافئا.
وظهر التأثير أقوى لدى كبار السن والنساء وسكان البلدان منخفضة الدخل، ما يرجح أن فرص الحماية من الحرارة، مثل جودة السكن والتهوية والتكييف، تلعب دورا في حجم الضرر.
ويشير الباحثون إلى أن الأجهزة القابلة للارتداء لا تقيس مراحل النوم بالدقة نفسها التي توفرها المختبرات الطبية، لكنها تتيح مراقبة ملايين الليالي في الظروف الحقيقية، بما في ذلك حرارة المنازل وأنماط العيش ومواعيد العمل.
وتتفق هذه النتائج الواسعة مع تجارب مخبرية أظهرت أن الحرارة المرتفعة تزيد فترات اليقظة وتقلص النوم العميق ونوم الأحلام، حتى عندما يظل الشخص مستلقيا في السرير المدة نفسها.
ولا تقف آثار الليلة السيئة عند التعب والنعاس. فالنوم القصير يضعف الانتباه وسرعة الاستجابة واتخاذ القرار، ويرفع احتمال الأخطاء المهنية وحوادث السير، كما يزيد التوتر وسرعة الانفعال في اليوم التالي.
وعندما يتكرر النقص، يرتبط باضطراب التحكم في سكر الدم والشهية وضغط الدم، وتراجع كفاءة المناعة، إلى جانب ارتفاع مخاطر اضطرابات المزاج وأمراض القلب.
ويحذر العلماء من أن مساكن المدن قد تضاعف المشكلة، إذ تمتص الخرسانة والإسفلت حرارة النهار ثم تطلقانها ببطء ليلا، بينما تمنع الكثافة العمرانية وضعف حركة الهواء الأحياء من استعادة البرودة.
وقد يستمر أثر الليلة الحارة بعد تراجع درجة الحرارة الخارجية، لأن الغرف والجدران والأثاث تكون قد خزنت الحرارة على امتداد أيام متتالية.
ويرى الباحثون أن الاعتماد على نصائح فردية وحدها لا يكفي، خصوصا بالنسبة إلى الأسر التي تعيش في مساكن ضيقة أو سيئة العزل ولا تملك أجهزة تكييف.
وتشمل الإجراءات المباشرة إغلاق النوافذ والستائر عندما تكون حرارة الخارج أعلى نهارا، وفتحها بعد انخفاضها ليلا، وتوجيه المراوح بما يساعد على تحريك الهواء، واستخدام أغطية خفيفة قابلة لتمرير الرطوبة.
كما يفيد أخذ حمام فاتر قبل النوم، إذ يساعد لاحقا على انتقال الحرارة من مركز الجسم إلى الجلد. أما الماء شديد البرودة فقد يسبب انقباض الأوعية الدموية ويحد مؤقتا من تبديد الحرارة.
ويوصي المختصون بتجنب الوجبات الثقيلة والكحول والمنبهات قرب موعد النوم، مع شرب الماء تدريجيا خلال اليوم، بدلا من تناول كمية كبيرة قبل النوم تؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر.
ولا تضع الدراسات درجة واحدة تناسب الجميع داخل غرفة النوم، لأن العمر والملابس والأغطية والرطوبة وحركة الهواء تؤثر في الإحساس الحراري. غير أن النتائج تتفق على أن الخطر يرتفع عندما تعجز حرارة الجسم عن الانخفاض مع بداية الليل.
وتشير التوقعات المستندة إلى نماذج المناخ إلى أن خسارة النوم ستتسع خلال العقود المقبلة. وقدرت الدراسة العالمية أن الحرارة غير الملائمة قد تقتطع بين 50 و58 ساعة من نوم الفرد سنويا بحلول نهاية القرن في السيناريوهات الأعلى احترارا.
أما الدراسة التي حللت 23 مليون سجل، فتوقعت خسارة إضافية تقارب 33 ساعة سنويا للفرد بحلول تسعينيات هذا القرن في سيناريو الانبعاثات المرتفعة، بينها نحو 12 ساعة من النوم العميق.
وتدفع هذه الأرقام علماء النوم إلى المطالبة بإدراج حرارة الليل ضمن سياسات الصحة والسكن والتخطيط الحضري، بدلا من التعامل مع اضطراب النوم كمسألة شخصية يمكن حلها بمجرد تغيير العادات.
فالحرارة التي تمنع الجسم من التعافي ليلا تترك السكان أقل قدرة على تحمل حر اليوم التالي، وتحوّل موجة الحر الممتدة إلى سلسلة متصلة من الإجهاد واليقظة والإرهاق.







