مانويل يناديني بـ”الطنجاوية” الصغيرة، لكن الناس الذين وُولدوا هنا هم وحدهم من يمكنهم أن يُدعون بـ “الطنجاويين”. لا يهم، لقد أحببت الاسم إلى حد ما.
أنا اليوم تعبة جدا، بالكاد أستطيع الكتابة، لأنني لم أستطع النوم ليلة أمس، لقد كنا نترقب مجيء اللصوص، وكان خدامنا نائمين في الشرفة بأسلحة جاهزة تحسبا لقدومهم.
يجب أن أخبرك عن بعض الخوف الذي تملكنا أمس. مانويل (1) وأنا وجروي الصغير “جيب” كنا قد خرجنا للتمشي، وعندما كنا نستريح فوق الاحجار قريبين من المكان حيث قام قاطع الطريق الريسولي (2) باختطاف السيد بيرديكاريس، رأيت طفلة صغيرة من البادية قادمة لوحدها فأردت أن أسألها إلى أين هي ذاهبة.
ظننت أن الأمر سيكون جميلا أن أسمع كلامها العربي. لكن كل ما قالته هو ” أتركني وشأني”، ثم فجأة ظهر رجل ذو مظهر خطير – سمعت بعدئذ أن هذا الرجل كان قد قتل ثلاثة أشخاص في الريف- قادما من خلف بعض الاشجار. لم يرانا في البداية، لكن ظننا أنه يحتمل أن يغضب عند رؤيته لمسيحية تتحدث لتلك الطفلة الوحيدة الصغيرة. إذ رأيت مرارا الرجال في البلدة يأخذون الطفلة الصغيرة من كتفيها ويبعدونها عن الطريق عندما يشاهدونها تتحدث مع رجل انجليزي.
اعتقدنا أنه من الافضل الابتعاد والاختباء خلف الاحجار، فاندفعنا على الشجيرات المزرية التي تسببت في أذى لساقي بشكل مخيف. وطوال الوقت كنا خائفين من أن “جيب” سيخبر ذلك الرجل عن مكان اختبائنا، إذ نبح مرة واثنتين.
لم نبقى مختبئين طويلا إذ نبح “جيب” بصوت مرتفع فالتصقت خوفا بمانويل، وعندما خرجنا من مخبئنا، رأينا الرجل يوجه صوبنا بندقية بكلتا يديه !. مانويل الذي يتحدث العربية بشكل جيد صرخ في وجه، ثم بعد ذلك قدم مغربي صديق ببندقيته الطويلة، فجرينا نحن بكل ما تستطيع أقدامنا أن تفعل، وتركنا الاثنين يسوون الامر بينهما.(3).
سمعت بعض الطلقات النارية، لكن أعتقد أن الرجل فر، يمكنهم أن يطلقوا رصاصة واحدة فقط بدون أن يحشو أسلحتهم من جديد، وهذا يأخذ بعض الوقت.
وبعد ذلك بوقت قصير رأيت واحدا من أكواخ حراس الجبل، الذي يوجد قريبا من منزلنا، فلم أظل خائفة، لأنه دائما يوجد رجلين يقيمان هناك كل ليلة.
عندما ألقينا على الكوخ نظرة عن قرب، رأيت فقط أحجارا تستعمل كوسادات، مذكرة إياي بيعقوب (4). أعتقد أن رجال الحراسة عليهم أن يغنوا طوال الليل لإبقاء أنفسهم مستيقظين ولتنبيه الاخرين بأنهم يتواجدون هناك.
يتبع…
* لمتابعة جميع حلقات السلسلة: إضغط هنا
……………………………………………………………………………………………
1 – المرشد الاسباني الخاص بالطفلة الانجليزية في طنجة.
2 – كانت قد مرت حوالي سنتين فقط على حادثة الاختطاف الشهيرة التي قام بها الريسوني لزوجة وابن السفير الامريكي بيرديكاريس من قصره بالرميلات (1904)، ووصف الريسوني بقاطع الطريق هي وجهة نظر أوروبية معلومة.
3 – الأرجح أن القصة كلها تمثيل للترويح عن الطفلة الانجليزية، التي هي مثال للعديد من الاوروبيين الذي كانوا يزورون المغرب في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 بحثا عن الغرائب والمغامرات التي يعتقدون بوجودها قبل زيارتهم.
4 – الاشارة إلى النبي يعقوب عليه السلام.




