قبل انطلاق الحملة الرسمية، بدأت معركة أخرى في طنجة لا تظهر على المنصات ولا في التجمعات، لكنها تحضر في خلفية السباق على المقاعد الخمسة. معركة تتعلق بالمال، بحجم الإنفاق، وبالجهات التي ستتحمل كلفة حملات تمتد من قلب طنجة إلى أصيلة والجماعات القروية.
وتدخل دائرة طنجة أصيلة استحقاق 23 شتنبر بسقف إنفاق يسمح نظريا للائحة الواحدة بضخ ما يصل إلى ثلاثة ملايين درهم، إذا استنفد كل مترشح الحد الأقصى المحدد في 600 ألف درهم.
ولا يعني هذا الرقم أن جميع اللوائح ستقترب منه، لكنه يعطي فكرة عن حجم الأموال التي يمكن أن تتحرك خلال فترة انتخابية قصيرة، بين الطباعة وتأجير المقرات والسيارات، وتجهيز اللقاءات، وإنتاج المحتوى الرقمي، وشراء الإعلانات الممولة.
وفي مدينة ترتبط فيها السياسة بشبكات اقتصادية واسعة، لا يقف السؤال عند حجم ما ستنفقه اللوائح، بل ينتقل إلى مصدر المال نفسه. هل تتحمل الأحزاب الكلفة؟ أم وكلاء اللوائح؟ أم يتوزع العبء بين المرشحين ومصادر دعم أخرى؟
خريطة تمويل معقدة
وتقدم معطيات المجلس الأعلى للحسابات الخاصة بانتخابات 2021 مؤشرا مهما على طبيعة التمويل. فقد مثلت الموارد الذاتية للمترشحين نحو ثلثي تمويل الحملات التشريعية على المستوى الوطني، مقابل نحو الثلث لمساهمات الأحزاب.
لكن هذه النسب لم تكن موحدة بين التنظيمات. فقد اعتمد حزب “الأصالة والمعاصرة” بشكل شبه كامل على التمويل الذاتي المصرح به، فيما تقاسمت موارد “التجمع الوطني للأحرار” تقريبا بين مساهمة الحزب وأموال المترشحين، وسجلت أحزاب أخرى نسبا متفاوتة بين المصدرين.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة داخل طنجة أصيلة، حيث تضم المنافسة رجال أعمال ومنتخبين راكموا نفوذا محليا، فيما يفرض اتساع الدائرة الانتخابية كلفة إضافية على الحملات.
فالتحرك داخل بني مكادة أو السواني يختلف عن تدبير حضور انتخابي في أصيلة أو حجر النحل أو سيدي اليماني. وكلما اتسعت رقعة التحرك، ارتفعت تكاليف التنقل واللوجستيك والطباعة والتواصل الميداني والرقمي.
وفي موازاة ذلك، تتردد داخل الأوساط السياسية والاقتصادية في طنجة منذ أسابيع أحاديث عن اتصالات بين فاعلين حزبيين ومنعشين عقاريين ورجال أعمال لطلب الدعم الانتخابي.
لكن هذه المعطيات لم تنتقل بعد من دائرة التداول إلى مستوى الإثبات. فلا توجد، إلى حدود الآن، أسماء موثقة أو مبالغ معلنة أو وثائق تربط ممولا محددا بلائحة معينة. وهنا تبدأ المنطقة الأقل وضوحا في تمويل الحملات.
ميزان القوى المؤجل
يحدد القانون سقوف الإنفاق ويلزم المترشحين بتقديم حساباتهم، لكن الصورة المالية الكاملة لا تظهر أثناء الحملة، بل بعد الاقتراع وإيداع الحسابات وفحصها من طرف المجلس الأعلى للحسابات.
أما خلال أيام السباق، فستظهر الفوارق أساسا في الميدان.
عدد المقرات، كثافة الملصقات، حجم التنقلات، مستوى الإنتاج الرقمي، الإعلانات الممولة، وعدد اللقاءات كلها مؤشرات تسمح بتقدير حجم الماكينة التي تقف خلف كل لائحة، دون أن تكشف وحدها مصدر تمويلها.
ولهذا لن يكون السباق في طنجة أصيلة محصورا في من يملك مرشحا أكثر شهرة أو شبكة انتخابية أوسع. جزء من المنافسة سيحسم أيضا بقدرة كل لائحة على تمويل حضور مستمر داخل دائرة واسعة ومكلفة انتخابيا.
أما السؤال الذي سيظل مؤجلا إلى ما بعد 23 شتنبر فهو: من دفع فعلا ثمن هذه الحملة، وكم دفع، وأين صرفت الأموال؟







