يعتقد كثيرون أن الرياح القوية تعني دائما إنتاجا وفيرا للكهرباء، لكن دراسة علمية حديثة تناولت محطة “خلادي” شمال المغرب كشفت مفاجأة: التضاريس الجبلية قد تجعل الرياح خطرا يهدد التوربينات، مما يفرض أحيانا إيقافها لحمايتها من التلف، ولو على حساب إنتاج الكهرباء.
وكشفت الدراسة التي نشرتها مجلة “ساينتفك ريبورتس” (Scientific Reports) العلمية أن الجبال المحيطة بمحطة “خلادي” لإنتاج الكهرباء من الرياح، في جبل الصندوق شمالي المغرب، تتسبب في إحداث فوضى في حركة الهواء.
وتزيد هذه “الفوضى” الضغط على المراوح العملاقة، وتجعل من الصعب استغلال كل تلك الرياح لإنتاج الطاقة.
رياح قوية.. ولكن غير متوازنة!
وبسطت الدراسة المشكلة بوضوح: عندما تمر الرياح عبر المرتفعات الجبلية، تتغير سرعتها واتجاهها بشكل مفاجئ. ونتيجة لذلك، تضرب الرياح الأجزاء العلوية من المروحة بقوة شديدة، بينما تصل إلى أجزائها السفلية بسرعة ضعيفة جدا.
ويجعل هذا الخلل شفرات المروحة تتعرض أثناء دورانها لضغوط غير متوازنة، قد تصل إلى ثلاثة أضعاف ما تتحمله في الظروف العادية.
ومع مرور الوقت، يؤدي هذا الضغط المستمر إلى إرهاق المواد المصنوعة منها الشفرات، مما يرفع خطر تعرضها للتلف.
ولحل هذه المشكلة، اقترح الباحثون، بناء على محاكاة دقيقة وبيانات فعلية من المحطة، إيقاف تشغيل بعض المراوح مؤقتا عندما تهب الرياح من اتجاهات معينة.
لكن هذا الحل يضع القائمين على المحطة أمام خيار صعب: فإيقاف المراوح لحمايتها يعني التخلي عن إنتاج الكهرباء في أوقات هبوب الرياح.
وتشير تقديرات الدراسة إلى أن تطبيق إجراءات حماية صارمة قد يؤدي إلى خسارة محتملة تتراوح بين 20.5% و37.6% من إجمالي الإنتاج السنوي للتوربين الواحد.
استثمارات ضخمة في طاقة الرياح
واعتمد الفريق العلمي في دراسته على مراقبة توربين بقدرة 3 ميغاواط، يبعد نحو 300 متر عن أحد المرتفعات. وتتطابق هذه المواصفات مع محطة “خلادي” التي تديرها شركة “أكوا باور خلادي”.
وتضم هذه المحطة، التي بلغت كلفتها نحو 1.9 مليار درهم مغربي ودخلت الخدمة عام 2018، 40 توربينا بقدرة إجمالية تبلغ 120 ميغاواط، وتخصص إنتاجها لتزويد كبرى المنشآت الصناعية في المغرب بالكهرباء.
وتعد المنطقة المطلة على مضيق جبل طارق، ولا سيما إقليمي تطوان والفحص أنجرة، من أبرز مناطق إنتاج طاقة الرياح في المغرب. فقد شهدت منذ عام 2000 إطلاق مشاريع رائدة، مثل محطة “عبد الخالق الطريس”، ومحطة “الحومة” (2014)، ومحطة شركة “لافارج” (2005) المخصصة لتزويد مصنع للإسمنت بالكهرباء.
وشارك في إنجاز هذا البحث فريق علمي مغربي يضم باحثين من المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بتطوان، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، ومؤسسات جامعية أخرى، بالتعاون مع باحثين من جامعة تبوك السعودية.
وخلصت الدراسة إلى رسالة واضحة للمستثمرين في قطاع الطاقة المتجددة، مفادها أن العثور على مكان تهب فيه رياح قوية لا يكفي لضمان نجاح المشروع، بل ينبغي دراسة حركة الهواء بدقة حول الجبال والتضاريس قبل تركيب المراوح، ومراقبتها باستمرار بعد بدء تشغيلها. فهذا التخطيط الذكي هو السبيل الوحيد لإطالة عمر المعدات باهظة الثمن، وضمان إنتاج مستقر للكهرباء بأقل قدر من الخسائر.







