في أدبيات الممارسة السياسية، تتشكل السير الذاتية للمنتخبين عادة من تراكم المشاريع، أو الاشتباك الميداني مع قضايا الشأن العام، أو حتى عبر معارك استقطاب واضحة المعالم.
غير أنالمشهد المحلي في طنجة، وتحديدا داخل جغرافية مقاطعة بني مكادة ذات الثقل الديمغرافي والسياسي المعقد، أفرز حالة مغايرة تماما؛ حالة المستشار الاستقلالي جمال العوامي، الذي باتت صورته العامة تُستمد، على نحو لافت، من كثافة البلاغات الصادرة ضده، لا من حصيلته التدبيرية.
ولذلك، لم يعد هذا الاسم مقترنا بمبادرة تدبيرية محلية أو رؤية تنموية، بل تحول إلى مادة تعريفية تُقرأ حصرا عبر نصوص التبرؤ، وبيانات التنديد، والمطالبة بالمحاسبة.
إنها مفارقة درامية لرجل سياسة باتت الجهات التي تتقاطع معه، حليفة كانت أم معارضة، تجد نفسها مضطرة لإصدار وثائق رسمية لتحديد مسافة فاصلة بينها وبين تصريحاته.
رصاصة الاستقلال الصديقة
وتبدأ ملامح هذه العزلة من الدائرة الأقرب، حيث تكفلت مفتشية حزب الاستقلال بطنجة-أصيلة برسم أولى الخطوط القاسية في بورتريه العوامي.
فهي لم تكتفِ بتسجيل نقطة نظام، بل ذهبت نحو تجريد سياسي كامل، واصفة خرجاته بـ”الارتجال” وانعدام المسؤولية السياسية والأخلاقية.
وحين يعلن حزب عريق أن تصريحات أحد منتخبي مقاطعته “لا تعبر عن خطه ولا تلزمه في شيء”، وأنها مجرد “تصرفات فردية تثير ضجيجا إعلاميا لا يخدم الساكنة”، فهو في العمق لا يمارس تباينا في وجهات النظر، بل ينفذ عملية عزل سياسي.
وبذلك، يكون الحزب قد حول منتخبه من فاعل مؤسساتي إلى عبء تنظيمي، واضعا إياه في خانة من يُراد حماية العمل السياسي من تداعيات لسانهم.
جيوبوليتيك في قاعة تدبير محلي
واللافت في مسار العوامي هو غياب البوصلة التي تضبط إيقاع الخطاب وفق سياقاته. فقد تجلى هذا الارتباك بشكل صارخ حين اختار، داخل دورة لمجلس مقاطعة بني مكادة، استحضار ملف جيوسياسي دولي يتعلق بإسرائيل.
لم تكمن الأزمة في حق الاختلاف، بل في افتقار اللحظة للذكاء السياقي. فإقحام قضية دولية شديدة التعقيد في قاعة مخصصة لمناقشة تحديات الإنارة، وتعبيد الطرق، وهموم الساكنة اليومية، بدا وكأنه محاولة لجر فضاء تدبيري إلى مربع يتجاوز اختصاصاته.
ومن هنا، بدا مفهوما أن يعجل هذا الخروج بنزع الصفة التنظيمية عن كلامه وإحالته على الهياكل التأديبية.
المرأة والسياسة.. مأزق حقوقي
غير أن ارتدادات هذا النهج لم تتوقف عند حدود السجال الحزبي، بل اتخذت منحى أكثر خطورة حين مست تصريحاته حضور النساء في الفضاء العام والعمل السياسي.
هنا، لم يعد العوامي يواجه خصوما سياسيين، بل اصطدم بالتحولات المجتمعية العميقة التي قطعتها مؤسسات الدولة في مجال المناصفة.
وقد التقط بيان حزب العدالة والتنمية ببني مكادة هذا التحول، رافضا تصنيف ما صدر عن العوامي ضمن خانة “زلة اللسان”. فالحزب قرأ السلوك كنمط متكرر ينم عن استخفاف بأخلاقيات التمثيلية، مستحضرا اعتذارا قديما قدمه المستشار للمستشارة فاطمة بلحسن.
وهكذا تحول الاعتذار، في هذا السياق، من صك غفران يطوي الصفحة، إلى دليل إدانة يثبت العودة إلى ارتكاب الخطأ ذاته، مما يكرس صورته كعامل استنزاف لصورة المؤسسات المنتخبة.
أما المستوى الأشد تعقيدا في هذه الأزمة، فقد جاء من البوابة الحقوقية. فالجمعية المغربية لحقوق الإنسان لم تقارب القضية كخلاف بين منتخبين، بل كخطاب “تحقيري ومهين”، يصدر عن شخص يفترض أنه يساهم في تسيير الشأن العام. وبذلك، نقل الحقوقيون الأزمة من مربع الأخلاق السياسية إلى دائرة المساءلة الجنائية، بمطالبتهم النيابة العامة بفتح تحقيق قضائي، ومحذرين، في الوقت نفسه، من تطبيع المؤسسات مع “فكر إقصائي” يطعن في كرامة النساء العاملات.
أثر الكلام الغائب عن الفعل
ومن شظايا هذه البلاغات المتناثرة، تكتمل صورة جمال العوامي في الوعي المحلي لمدينة طنجة. إنه رجل سياسة يعيش مفارقة أن يكون حاضرا بقوة، لكن عبر ما يُستنكر منه، لا ما يُنتظر منه.
وفي بيئة سياسية محلية تبحث عن حلول براغماتية لأزمات التمدن المعقدة، يقدم العوامي نموذجا للمسار الذي يعتمده من يخطئ قراءة موقعه.
فالضوء الذي تمنحه العبارات المنفلتة والصدامات المجانية قد يخطف الانتباه لبرهة، لكنه سرعان ما يترك صاحبه محاصرا في زاوية ضيقة؛ حيث لا تُقرأ هويته السياسية من مشروع يدافع عنه، بل من سلسلة بيانات تقول مجتمعة إن المشكلة تجاوزت حدود التصريح العابر، لتصبح أزمة كاملة في فهم جدوى الكلمة ومسؤوليتها داخل الفضاء العام.







