لم تعد رحلة التسوق اليومية في أسواق مدينة طنجة نزهة لاختيار ما تشتهيه الأنفس لإعداد وجبة الغداء، بل استحالت “معركة” يومية تخوضها الأسر لضبط ميزانية تآكلت بفعل غلاء مستعر.
فالخضروات، التي طالما شكلت الملاذ الآمن لـ”قفة” المواطن البسيط وعماد مائدته، باتت أسعارها تلتهب بمستويات تجعل مجرد تأمين وجبة عادية عبئاً ثقيلاً ينوء به كاهل ذوي الدخل المحدود والمداخيل الهشة.
في بورصة الأسواق الشعبية للمدينة، ترسم قائمة أسعار رُصدت مطلع نونبر الجاري، ملامح هذا الواقع المرير. فقد حلقت الطماطم، سيدة المطبخ المغربي، إلى 15 درهماً للكيلوغرام الواحد، ورافقها الفلفل بـ 17 درهما، والجلبانة (البازلاء) بـ 16 درهما فيما استقر الخيار عند 9 دراهم، والبطاطس والجزر عند 6 دراهم، والبصل بـ 7 دراهم، والليمون بـ 10 دراهم.
وبعملية حسابية بسيطة، تكلف تشكيلة تضم كيلوغراما واحدا من هذه الأصناف التسعة نحو 93 درهما، في فاتورة قاسية لا تشمل حتى اللحوم أو الأسماك أو الحبوب والزيوت.
ورغم أن هذه الكمية لا تُستهلك بالضرورة في يوم واحد، إلا أنها تعكس بوضوح حجم الاستنزاف الذي يطال الجيوب لتأمين سلة محدودة جداً من الضروريات.
خيارات أحلاها مُرّ
أمام هذه الأرقام، لم يعد التحدي مقتصرا على دفع الفاتورة، بل امتد ليمسّ الخيارات الغذائية في جوهرها. تجد الأسر نفسها ممزقة بين خيارات قاسية؛ إما تقليص الكميات المعتادة، أو الاستغناء التام عن اللحوم والأسماك واللجوء قسرا إلى “نباتية” فرضتها الظروف، لا القناعات.
وتتضاعف هذه المعاناة داخل العائلات الممتدة، حيث الأفواه كثيرة، والموارد شحيحة ومحاصرة أصلاً بفواتير الكراء والماء والكهرباء ومصاريف تمدرس الأبناء.
لقد أفرز هذا الواقع “هندسة معيشية” جديدة لضبط النفقات، تضطر معها العائلات لتقليص حجم وجباتها أو التخلي عن التنوع الغذائي، وهو ما يطرح تساؤلات مقلقة حول الانعكاسات الصحية لهذا الحرمان الممتد، خاصة على الأطفال في طور النمو.
وتتعمق الجراح المالية للأسر حين يضاف إلى هذه السلة المصغرة تكلفة اللحوم الحمراء والبيضاء التي باتت هي الأخرى تحلق في مستويات قياسية، إلى جانب الفواكه والمواد التموينية الأساسية التي سجلت قفزات متتالية في أثمانها، مما يجعل إعداد مائدة متكاملة ضرباً من الرفاهية المفقودة.
ويزيد من قتامة المشهد أن هذا الغلاء الفاحش يصطدم بواقع يتسم بجمود الأجور ومحدودية الدخل، حيث يجد الكثير من العمال المياومين والموظفين البسطاء في طنجة أنفسهم في سباق غير متكافئ بين رواتب لا تكاد تغطي مصاريف الأيام الأولى من الشهر، وأسواق لا تعترف بضعف القدرة الشرائية.
أرقام تخفي فوارق صارخة
هذا النزيف اليومي في ميزانية المواطن، تترجمه لغة الأرقام الرسمية بوضوح. فحسب بيانات “المندوبية السامية للتخطيط” (بين 2022 و2023)، التهم الغذاء 38.2 في المئة من مجموع نفقات الأسر المغربية، صعوداً من 37 في المئة عام 2014.
غير أن هذه النسبة تخفي وراءها فوارق طبقية صارخة؛ فالشريحة الكادحة (الـ10 في المئة الأقل يسراً) تحرق نحو نصف ميزانيتها الهزيلة لإسكات الجوع، بينما لا يتجاوز هذا العبء 30 في المئة لدى الفئات الأكثر يسراً، والتي تمتلك هامشاً أوسع للمناورة دون المساس بأساسياتها.
في مدينة كبرى مثل طنجة، تتجلى هذه التفاوتات بشكل حاد بين أحيائها الشعبية ومناطقها الراقية، وبين من يتقاضون أجوراً ثابتة، ومن يعيشون على هامش المهن المتقلبة.
ولا يمكن لقائمة أسعار يتيمة أن تختزل المشهد المعقد للمدينة، لكنها تفتح الباب لمقارنة كيف يكتوي الجميع بنار الغلاء، باختلاف منافذ التسوق من الأسواق العشوائية إلى المساحات الكبرى.
والمفارقة أن هذه المعاناة تتزامن مع مؤشرات رسمية تتحدث عن “تراجع التضخم الغذائي” على أساس سنوي. فبينما سجلت أسعار الخضر واللحوم في طنجة ارتفاعاً شهرياً بنسبة 4.3 في المئة خلال شتنبر الماضي (وارتفع المؤشر العام للاستهلاك بالمدينة بـ 0.6 في المئة)، انخفضت أسعار المواد الغذائية على المستوى الوطني بنسبة 2.5 في المئة مقارنة بالعام المنصرم.
لكن لغة الأرقام الماكرو-اقتصادية غالبا ما تفشل في التعبير عن واقع المواطن الذي لا يقيس قدرته الشرائية بالنسب المئوية، بل بما يتبقى في جيبه. وتعزز نتائج “بحث الظرفية” للربع الثالث من 2026 هذا الشعور بالضيق، إذ أكدت 95.9 في المئة من الأسر المغربية ملاحظتها لارتفاع الأسعار خلال العام المنصرم، واضطرت 39 في المئة منها لاستنزاف مدخراتها أو الغرق في وحل الديون لسد الرمق، في حين لم تفلح سوى أقلية ضئيلة (2.8 في المئة) في ادخار أي مبلغ.
ولا يقف شبح الغلاء عند حدود سلة الغذاء، بل يمتد لأعباء أخرى كالمحروقات، حيث لامس لتر الغازوال عتبة الـ 17.20 درهما مطلع نونبر، ما يلقي بظلاله على تكاليف التنقل والنقل والتوزيع، وإن كان الخبراء يؤكدون أن الغلاء المعيشي حصيلة تراكمات تشمل الوسطاء والاحتكار، ولا تُختزل في الوقود وحده.
في المحصلة، يظل الثبات الظاهري في “ميزانية التسوق” خادعا؛ فالأسرة قد تنفق اليوم المبلغ ذاته الذي اعتادت تخصيصه للسوق، لكنها تعود بقفة شبه فارغة. اليوم في طنجة، لم تعد قيمة القفة تُقاس بما يدفعه المواطن عند الصندوق فحسب، بل بحجم التنازلات التي قدمها، وبما تركه مجبراً خلفه على رفوف الباعة.







