وسط طريق ضيقة تحف بها تلال جافة وبيوت متناثرة، توقفت حافلة نقل حضري قرب تجمع صغير للسكان. في دواوير جماعة حجر النحل على مشارف مدينة طنجة، لم يكن وصول هذه المركبة مجرد تدشين لخدمة نقل، بل نهاية لسنوات من عزلة ورحلات شاقة كانت تبدأ غالبا سيرا على الأقدام.
يقترب رجال ونساء من الحافلة، ويصعد بعضهم لتفقدها، فيما انشغل آخرون بالاستفسار عن المحطات والمواعيد.
وبالنسبة إلى سكان ستة دواوير شملها الخط الجديد، ارتبطت يومياتهم بمشقة بالغة لبلوغ طنجة، رغم قصر المسافة الجغرافية التي تفصلهم عن القطب الحضري.
ويقول أحد السكان، في حديث لجريدة طنجة 24 الالكترونية، إن غياب النقل المنتظم “خلق عزلة حقيقية”، مضيفا أن أفراد الأسر كانوا يضطرون إلى تغيير وسيلة النقل مرتين أو ثلاثا قبل الوصول إلى وجهتهم.
كما يوضح أن هذه الصعوبة ضاعفت الكلفة المالية، وجعلت الزيارات العائلية أو التوجه إلى العمل والإدارة والمستشفى رحلة يومية مرهقة.
وفي مدشر “قدور”، يشير ساكن آخر إلى أن الحافلة دخلت للمرة الأولى إلى محيط التجمع السكني، بعدما كان الأهالي يقطعون مسافات طويلة لبلوغ أقرب محطة.
ويبرز أثر الخط الجديد بوضوح في تنقلات التلاميذ والعمال، ولا سيما الفتيات اللواتي يعدن في ساعات متأخرة.
ويوضح متحدث من الساكنة أن الانقطاع أو التأخر المتكرر لوسائل النقل السابقة كان يترك بعض الركاب عالقين بعيدا عن منازلهم، معتبرا أن الخط الجديد يخفف من هذا الخطر. غير أنه يربط نجاحه باستمرار الخدمة واحترام المواقيت في الصباح الباكر والمساء.
ووجه السكان شكرهم إلى والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، يونس التازي، والسلطات المحلية، ورئاسة الجماعة، والشركة المكلفة بالنقل، لاستجابتهم لمطلب ظل مطروحا لسنوات.
عزلة قرب المدينة
لكن هذا الارتياح لم يطو ملف البنية التحتية، إذ ما زال عدد من المسالك التي تعبرها الحافلة ضيقا أو متضررا، بينما تقبع تجمعات سكنية أخرى بعيدا عن المحاور الرئيسية.
ويؤكد أحد السكان أن الطرق تمثل اليوم “المشكل الأكبر”، مشيرا إلى بدء بعض الأشغال، في وقت تنتظر فيه دواوير أخرى تهيئة مسالكها وربطها بالطريق المعبدة.
ورغم موقعها المحيط بطنجة، ومجاورتها لمحاور طرقية وصناعية نشطة، تعيش الجماعة عزلة وظيفية تفاقمت بفعل تضاريس يغلب عليها الطابع التلي، ما يرفع كلفة تعبيد الطرق ومد شبكات الماء والتطهير والإنارة، ويعقد تنظيم خطوط نقل منتظمة.
وإلى جانب التضاريس، شهدت الجماعة خلال العقد الأخير نموا ديموغرافيا متسارعا غير ملامحها القروية، إذ قفز عدد السكان من نحو 9800 نسمة سنة 2014 إلى أكثر من 27 ألفا سنة 2024.
غير أن هذا التوسع، الذي ضاعف الساكنة قرابة ثلاث مرات، لم يرافقه تعزيز مواز في التجهيزات.
ووفق برنامج عمل الجماعة للفترة 2022-2027، توفرت المنطقة عند إعداد الوثيقة على خطين فقط للحافلات، إلى جانب تغطية غير كافية لمركبات النقل المزدوج وسيارات الأجرة، ما دفع إلى إدراج إحداث خطوط مباشرة نحو وسط طنجة ضمن الحاجيات الأساسية الموثقة رسميا.
وقال نائب رئيس المجلس الجماعي، السعيد الزكري، إن “توفير هذه الخدمة جاء استجابة لواقع ديموغرافي متسارع، وتم بتنسيق مباشر وتدخل من السلطات الولائية والشركة المفوضة للقطاع”.
وأوضح الزكري في تصريح للجريدة، أن “المجلس ينكب حاليا على تسريع وتيرة أشغال تهيئة المسالك الطرقية المتضررة، لضمان استدامة عمل الحافلات وتوسيع مساراتها مستقبلا نحو باقي الدواوير التي ما زالت تنتظر فك العزلة”.
خصاص يتجاوز النقل
وينعكس هذا الخصاص بشكل مباشر على قطاع التعليم، إذ تبعد بعض الدواوير كيلومترات عن المدارس، ويضطر تلاميذ الثانوي إلى التنقل خارج الجماعة.
كما يفرض هذا الوضع على الأسر محدودة الدخل تدبير نفقات مضاعفة لتغيير وسائل النقل، ما يدفع بعضها إلى تقييد خيارات الدراسة والعمل بناء على قدرتها المالية على التنقل، وهو عبء يثقل كاهل النساء والفتيات بصفة خاصة.
وفي المجال الصحي، يقتصر العرض المحلي على خدمات محدودة، بينما تتمركز المستشفيات في طنجة، لتصبح رحلة البحث عن وسيلة نقل تسبق أحيانا طلب العلاج ذاته.
كما تواجه حجر النحل خصاصا في مجالات التطهير والماء والإنارة وجمع النفايات، وهي اختلالات تتسع مع التوسع السكني وظهور تجمعات جديدة خارج المراكز التقليدية.
واستفادت الجماعة من تدخلات ضمن برامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، كما خصص برنامج عملها حصة من استثماراته للمسالك.
غير أن تجربة السكان أظهرت أن تعبيد الطريق يتيح المرور، لكنه لا يضمن وحده الوصول إلى المدرسة أو المستشفى. ومن ثم، يمثل الخط الجديد انتقالا من تجهيز المجال إلى تشغيله، ومنح الطريق وظيفة اجتماعية يومية.
ولا يقيس السكان أثر هذا الخط بعدد الدواوير التي يغطيها فحسب، بل أيضا بانتظام رحلاته، وقرب محطاته، وتوافق تعريفته مع قدرتهم الشرائية، مبدين تخوفهم من تحول المبادرة إلى تجربة محدودة إذا لم تدعم بأسطول كاف وصيانة مستمرة للطرق.
ومع تحرك الحافلة نحو طنجة، بقي عدد من السكان يتابعون مسارها قرب الطريق، مدركين أن وصولها لن يحل كافة اختلالات الجماعة، لكنه يضع حدا لجزء من مشقة كانت تبدأ كل صباح من أبواب منازلهم.







