تستهلك عمليات ضخ المياه نحو الأراضي الزراعية في حوض اللوكوس شمال المغرب كميات كبيرة من الكهرباء، مما يرفع تكاليف الإنتاج الفلاحي.
ولتجاوز هذه المعضلة، تراهن السلطات على مشروع يجمع بين إنتاج الطاقة الشمسية وترشيد مياه الري. غير أن المبادرة، التي تُقدر كلفتها بـ 28 مليون دولار، لا تزال تنتظر التمويل لتنفيذها رغم مرور نحو أربع سنوات على بدء التحضيرات.
يعكس الوضع في منطقة أصجن بإقليم وزان حجم التحدي الذي تواجهه الزراعة المسقية في المنطقة؛ إذ يحتاج محيط فلاحي يمتد على 4000 هكتار إلى نحو 16 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، في حين أن المساحة المستغلة فعلياً لم تكن تتجاوز 2500 هكتار، وفقاً لبيانات وثائق تقنية أعدتها الشراكة العالمية للمياه في المتوسط خلال عام 2025.
ويرتبط تأمين المياه بتكاليف باهظة لنقلها وضخها نحو الأراضي الزراعية، وهي نفقات تسعى مبادرة جديدة إلى خفضها عبر إقامة محطة لإنتاج الكهرباء من الألواح الشمسية العائمة فوق مياه سد وادي المخازن.
طاقة شمسية عائمة وفلاحة دقيقة
خلال اجتماع عُقد بمدينة طنجة في 29 أكتوبر 2026، استعرض مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة نتائج دراسات ترمي لإنشاء محطة بقدرة تقارب 7.2 ميغاواط، بالتوازي مع إدخال تقنيات الفلاحة الدقيقة على مساحة تناهز 6829 هكتاراً.
تقوم الرؤية الأساسية للمشروع على إنتاج الكهرباء بالقرب من مصدر المياه، مما يقلل الاعتماد على الشبكة الوطنية في تشغيل أنظمة الضخ، بينما تهدف التقنيات الزراعية الحديثة إلى تحسين كفاءة الري والحد من الاستهلاك المفرط للأسمدة. ورغم هذه المعطيات، فإن الإعلان الأخير يندرج ضمن التحضير لمرحلة التعاقد وتعبئة التمويل، ولم تُعلن الجهات المشرفة بعد عن موعد محدد لبدء الأشغال أو عن مؤسسات قدمت التزامات مالية فعلية.
مسار طويل من الدراسات وتضارب في الأرقام
تعود بدايات المشروع إلى عام 2022، إثر إطلاق الشراكة العالمية للمياه في المتوسط حواراً مؤسساتياً حول الترابط بين المياه، الطاقة، الزراعة، والأنظمة البيئية في جهة طنجة تطوان الحسيمة. وبعد مشاورات استمرت حتى عام 2024، وقع الاختيار على سد وادي المخازن ومناطقه الزراعية لتطوير هذه المبادرة.
وفي يونيو 2025، طُرح طلب عروض لإعداد الدراسات التقنية والاقتصادية والبيئية وملف تمويل أولي يُوجه إلى “الصندوق الأخضر للمناخ”. وبعد تعثر العرض الأول، أُعيد طرحه في شتنبر من العام ذاته، ليقع الاختيار نهائياً على الشركة الإسبانية (TYPSA) بعرض بلغت قيمته 348,220 دولاراً (شاملة الضرائب)، وهو مبلغ يغطي كلفة الدراسات فقط ولا يشمل إنجاز المحطة أو التجهيزات.
وتُظهر الوثائق تبايناً في المواصفات التقنية؛ إذ حدد طلب عروض 2025 قدرة المحطة بـ 13.5 ميغاواط، في حين أشار الإعلان الأخير إلى 7.2 ميغاواط. ورغم أن هذا الفارق قد يعود لاختلاف وحدات القياس، إلا أن غياب التوضيحات حول حجم الإنتاج السنوي أو قيمة الوفورات المالية يطرح تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية، خاصة وأن الهدف الاستراتيجي للمحطة هو خفض نفقات مياه الري وليس بيع الكهرباء.
تجارب قائمة وسؤال الجدوى
لا تعد الألواح الشمسية العائمة سابقة في المغرب. ففي يوليوز 2026، استكملت الشركة الفرنسية (H2air PX) محطة عائمة بقدرة 13 ميغاواط فوق حقينة سد وادي الرمل لتزويد منشآت ميناء طنجة المتوسط بالكهرباء. وتضم هذه المنشأة أكثر من 22 ألف لوح شمسي مزودة بنظام تثبيت يتكيف مع تغيرات منسوب المياه.
ورغم أن هذه التجربة تثبت الإمكانية التقنية للمشروع، إلا أنها لا تحسم جدواه الاقتصادية في وادي المخازن. فمحطة طنجة المتوسط تخدم منشآت صناعية ذات استهلاك ثابت، بينما يستهدف مشروع اللوكوس قطاعاً زراعياً تتفاوت فيه احتياجات الضخ جذرياً حسب المواسم والمحاصيل، مما يتطلب دراسة دقيقة لحجم الطلب الفعلي، تكاليف الربط، وتحديد الجهة المسؤولة عن التشغيل والصيانة.
التداعيات الاجتماعية وعقبة التمويل
تتجاوز التحديات الجانب التقني لتشمل توزيع الفوائد الاقتصادية. فالمشروع التنموي في حوض اللوكوس يستهدف نحو 30 ألف فلاح بإقليم العرائش، 95% منهم يمتلكون استغلاليات تقل عن 5 هكتارات. وبالنسبة لهؤلاء، ترتبط الاستفادة بمدى تحملهم لتكاليف تجهيزات الفلاحة الدقيقة، طبيعة الدعم المتاح، ومدى انعكاس خفض تكلفة الطاقة على السعر النهائي لمياه الري.
يُضاف إلى ذلك تحدي الاستدامة البيئية؛ فتحسين كفاءة الري قد لا يقلص الاستهلاك الإجمالي للمياه إذا أدى انخفاض التكاليف إلى توسيع المساحات المزروعة أو التحول نحو زراعات مستنزفة للمياه، وهو ضغط إضافي على حوض اللوكوس الذي يؤمن أيضاً مياه الشرب.
وتعول الجهات المشرفة حالياً على إعداد مذكرة استثمارية للتقدم إلى “الصندوق الأخضر للمناخ” وشركاء آخرين. لكن هذه الخطوة لا تضمن الموافقة أو توفير التمويل، في ظل غياب تفاصيل عن حصة المؤسسات المغربية ونوعية الموارد المرتقبة (منح، قروض، أو استثمارات مباشرة)، أو المدة اللازمة لاسترداد الاستثمار. وبالنسبة للفلاحين، يبقى المعيار الحاسم لنجاح هذه المبادرة المعلقة يتلخص في سؤال واحد: إلى أي حد ستنخفض تكاليف الري؟







