لم يكن التصعيد الذي انفجر هذا الأسبوع بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار مفاجئا تماما بالنسبة إلى متابعي المشهد السياسي في طنجة، إذ اختبر الحزبان، منذ سنوات، قدرة تحالفهما على الصمود أمام خلافات وصلت في بعض المحطات إلى مواجهة علنية داخل مجلس الجماعة، من دون أن تدفع قيادة المجلس أو مكونات الأغلبية إلى إعلان نهاية الائتلاف.
وتمنح تجربة طنجة، في هذا السياق، خلفية عملية للسجال الذي انتقل إلى الرباط، بعدما اتهم “الأحرار” حليفه الحكومي باستمالة منتخبين ومسؤولين حزبيين قبيل انتخابات 23 شتنبر، فيما رد “البام” برفض الاتهامات واستدعاء انتقالات حزبية استفاد منها التجمع الوطني للأحرار نفسه قبل انتخابات 2021.
ففي طنجة، يقود منير ليموري، المنتمي إلى الأصالة والمعاصرة، مجلس الجماعة منذ انتخابات 2021، داخل أغلبية يشارك فيها التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والاتحاد الدستوري.
ورغم الخلافات المتكررة، ظل “الأحرار” يحتفظ بمواقع أساسية داخل المكتب، كما واصل المشاركة في تدبير المدينة إلى جانب الحزب الذي يوجه إليه اليوم اتهامات سياسية على المستوى الوطني.
تحالف فوق الشرخ
وبدأت علامات التوتر داخل أغلبية مجلس طنجة تظهر مبكرا، غير أن ليموري حرص منذ البداية على الفصل بين وجود اختلافات داخل الائتلاف وبين انهيار التحالف السياسي الذي تشكل بعد انتخابات 2021.
ففي فبراير 2023، أكد العمدة “تماسك وانسجام التحالف المسير للمجلس”، واعتبر أن بعض المواقف التي تصدر من داخله تكتسي “طابعا شخصيا”، مستندا، في الوقت نفسه، إلى استمرار التصويت المشترك بين مكونات الأغلبية لنفي وجود تفكك سياسي داخلها.
ولم يتغير هذا الخط عندما اتسعت مساحة الخلاف خلال 2024، وخصوصا مع مستشاري التجمع الوطني للأحرار.
فخلال دورة أكتوبر من تلك السنة، وجه رئيس فريق “الأحرار” عبد الواحد بولعيش انتقادات مباشرة إلى ليموري بشأن طريقة تدبير عدد من ملفات الجماعة، بينما ردت قيادة الأصالة والمعاصرة محليا وجهويا بالدعوة إلى احترام قواعد الأغلبية والالتزام بالتحالف.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ وصل التوتر إلى درجة نقل ملف مجلس طنجة إلى مستوى قيادات أحزاب الأغلبية الحكومية في الرباط، بعدما اعتبر “البام” أن الانتقادات المتكررة للعمدة لم تعد مجرد اختلاف حول ملف تدبيري، وإنما باتت تطرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الحليفين داخل المجلس.
ومع ذلك، لم يذهب ليموري إلى اعتبار الخلاف دليلا على سقوط الائتلاف.
وقال خلال ندوة صحفية في أكتوبر 2024 إن “على كل حزب في الأغلبية أن يتحمل مسؤوليته فيها”، مشددا على أن الأحزاب التي شاركت في تشكيل المكتب تتحمل مسؤولية ضبط أعضائها، وأن الأغلبية، رغم ذلك، لا تزال قائمة من الناحية العددية.
وأضاف حينها أنه “إذا وقع انفلات داخل حزب من هذه الأحزاب، فيجب أن يتحمل مسؤوليته في ذلك”.
وكان موقف العمدة، بذلك، واضحا في جوهره، إذ ربط استمرار التحالف ببقاء الأغلبية والمؤسسات والتصويت المشترك، وليس بكل مناوشة تصدر عن منتخب أو فريق داخل المجلس.
ولهذا بقي هذا التمييز حاضرا حتى عندما تحولت الخلافات إلى مواجهات حول ملفات التدبير والتفويضات وطريقة إدارة بعض القطاعات. فلم يخرج “الأحرار” من المكتب، كما لم يدفع “البام” نحو تفكيك الأغلبية، بل ظلت مؤسسات المجلس تجمع الطرفين، رغم اتساع مساحة عدم الثقة سياسيا.
طنجة تسبق الرباط
ومن هنا، تجعل هذه التجربة المحلية طنجة اليوم أقرب إلى نموذج سابق لما يحدث بين الحزبين على المستوى الوطني.
فالتجمع الوطني للأحرار قال في بلاغ لمكتبه السياسي إن عددا من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه تعرضوا لمحاولات استمالة وضغوط، معتبرا أن تعدد الحالات لم يعد يسمح بالنظر إليها باعتبارها تصرفات فردية.
وجاء موقف الحزب في سياق انتخابي حساس، قبل أسابيع قليلة من موعد الاقتراع التشريعي، ومع انتقال عدد من الأسماء والمنتخبين بين الأحزاب استعدادا لإعادة رسم الخريطة البرلمانية.
وفي الوقت نفسه، زاد تسجيل صوتي منسوب إلى القيادي التجمعي رشيد الطالبي العلمي من حدة السجال، بعدما تضمن انتقادات مباشرة لتحركات انتخابية مرتبطة بالأصالة والمعاصرة واستقطابه عددا من المنتخبين.
غير أن التجربة الطنجية تقدم زاوية مختلفة لقراءة هذا التصعيد.
فالأصالة والمعاصرة عاش داخل مجلس طنجة سنوات من الانتقادات الصادرة عن حليف يشاركه الأغلبية، كما وصلت بعض تلك الخلافات إلى القيادات الوطنية، من دون أن يعتبر العمدة البامي أن كل خلاف يمثل نقضا للتحالف.
وعلى العكس من ذلك، ظل ليموري يقدم المناوشات باعتبارها مسؤولية الأحزاب في ضبط منتخبيها، بينما ظل الاتفاق السياسي قائما ما دامت الأغلبية تحتفظ بتماسكها المؤسساتي.
ومن هذه الزاوية، يصبح الخلاف الحالي أوسع من سؤال انتقال منتخب من حزب إلى آخر، إذ يعكس انتقال المنافسة بين الحليفين من مستوى تدبير الاختلاف داخل المؤسسات إلى معركة مباشرة على المرشحين والنفوذ الانتخابي وموازين القوى التي ستفرزها صناديق 23 شتنبر.
أرشيف يقلب الاتهامات
وفي المقابل، اختار “البام” في رده على “الأحرار” عدم الاكتفاء بنفي الاتهامات، بل أعاد فتح أرشيف انتخابات 2021، وذكر حليفه بأن التجمع الوطني للأحرار استفاد آنذاك من انتقال عدد من البرلمانيين والمنتخبين المنتمين إلى أحزاب أخرى، وبينهم أسماء كانت محسوبة على الأصالة والمعاصرة.
وبهذه الحجة، حاول الحزب نقل النقاش من اتهامه بالاستمالة إلى سؤال المعيار الذي تعتمد عليه الأحزاب في تقييم انتقال المنتخبين، وما إذا كان السلوك نفسه يصبح غير مقبول فقط عندما ينتقل المنتخب إلى منافس، بينما يجري التعامل معه بطريقة مختلفة عندما يصب في مصلحة الحزب نفسه.
كما نفى “البام” ممارسة الإكراه أو الضغط على الراغبين في الانضمام إليه، وقال إن عمليات الاستقطاب تقوم على الحوار والإقناع واحترام حرية الاختيار السياسي.
وهنا، تمنح تجربة طنجة لهذا الرد خلفية إضافية، إذ إن الحزب الذي يطالب اليوم بعدم تضخيم انتقالات المنتخبين سبق أن تحمل داخل مجلس المدينة انتقادات ومواجهات من حليفه من دون أن يدفع نحو القطيعة، كما ظل يقدم استمرار التحالف باعتباره مرهونا بالتزاماته المؤسساتية، لا بحالة انسجام كامل ودائم بين أفراده.
وبعد نحو خمس سنوات من التدبير المشترك، لا يزال “البام” و”الأحرار” يجلسان داخل الأغلبية نفسها في مجلس طنجة، رغم الخلافات التي رافقت جزءا مهما من الولاية.
غير أن الرهان الوطني اليوم أكبر، لأن الخلاف لم يعد يدور حول تدبير مجلس جماعي أو توزيع تفويضات أو مواجهة بين فريق وعمدة، وإنما حول منتخبين ومرشحين ستحدد تحركاتهم جزءا من وزن كل حزب داخل البرلمان، وربما داخل التحالفات التي ستتشكل بعد الاقتراع.
وإذا كانت طنجة قد أظهرت أن الحزبين يستطيعان الاختلاف طويلا من دون إسقاط تحالفهما، فإن الأسابيع المقبلة ستختبر ما إذا كانت المعادلة نفسها ستصمد بعدما انتقلت المنافسة من قاعة المجلس الجماعي إلى صناديق الاقتراع.







