بعد نحو أربع سنوات على إدراج المغرب لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) ضمن البرنامج الوطني للتلقيح، لا يبدو أن التحدي الأكبر يكمن في رفض الأسر للقاح، بل في ضعف معرفتها بوجوده من الأساس.
هذه هي الخلاصة التي توصلت إليها دراسة حديثة أجراها باحثون بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بطنجة، وشملت 300 من آباء وأمهات الفتيات في شمال المغرب، بهدف قياس مستوى الوعي ومدى تقبلهم لتلقيح بناتهم ضد فيروس الورم الحليمي البشري، المسبب الرئيسي لسرطان عنق الرحم.
وأظهرت نتائج الدراسة أن 8.7 في المائة فقط من المشاركين كانوا على علم بوجود البرنامج الوطني للتلقيح ضد فيروس الورم الحليمي البشري، في حين لم يكن سوى 10 في المائة يعرفون أن الإصابة المستمرة بهذا الفيروس هي السبب الرئيسي لسرطان عنق الرحم. ومع ذلك، عبر حوالي 60 في المائة من الآباء والأمهات عن استعدادهم لتلقيح بناتهم إذا توفرت لديهم المعلومات الكافية حول اللقاح وفوائده.
وتقلب هذه النتائج فكرة شائعة مفادها أن ضعف الإقبال على اللقاح سببه الرفض المجتمعي أو المعتقدات الثقافية وحدها. فالباحثون خلصوا إلى أنهم لم يجدوا دليلاً على وجود علاقة مباشرة بين انخفاض التغطية بالتلقيح ورفض الأسر للقاح، معتبرين أن المشكلة الأساسية تتمثل في نقص التواصل والتوعية بالمرض واللقاح والبرنامج الوطني للتطعيم.
ويكتسب هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى أن سرطان عنق الرحم يعد من أكثر السرطانات شيوعاً بين النساء، في حين توصي منظمة الصحة العالمية بتطعيم الفتيات قبل التعرض للفيروس باعتباره الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية منه. كما أن المغرب أطلق برنامجه الوطني للتلقيح ضد فيروس الورم الحليمي سنة 2022 في إطار استراتيجيته للحد من هذا النوع من السرطان.
وتشير الدراسة أيضاً إلى أن مستوى التعليم والعمر كانا من بين العوامل المرتبطة بالتردد تجاه اللقاح، غير أن المقابلات النوعية التي أجراها الباحثون أظهرت أن أغلب المشاركين كانوا يغيرون موقفهم بعد تلقي معلومات علمية واضحة حول فعالية اللقاح وسلامته. وهو ما يعزز فرضية أن التحدي الحالي هو تحدي تواصلي أكثر منه تحدياً مرتبطاً بالقبول الاجتماعي.
ولا تبدو هذه النتائج معزولة عن السياق الوطني. فقد خلصت دراسة مغربية أخرى متعددة المراكز، شملت أكثر من 1400 من أولياء الأمور، إلى أن 28.7 في المائة رفضوا تلقيح بناتهم، وكان الرفض مرتبطاً أساساً بضعف المعرفة بالفيروس واللقاح، وقلة الثقة في المنظومة الصحية، وغياب التوصية المباشرة من مهنيي الصحة، إذ أفاد نحو 70 في المائة من المشاركين بأنهم لم يتلقوا أي نصيحة من طبيب أو ممرض بشأن اللقاح.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام أسئلة تتجاوز الجانب الطبي، لتلامس فعالية التواصل الصحي في المغرب. فإذا كان أغلب الآباء والأمهات لا يرفضون اللقاح من حيث المبدأ، فلماذا لا تصل إليهم المعلومات الأساسية؟ وهل تعتمد حملات التوعية على المدارس والمراكز الصحية بالقدر الكافي؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام والجمعيات المحلية في التعريف ببرنامج الوقاية؟
بالنسبة لشمال المغرب، تشير الدراسة إلى أن رفع نسبة التلقيح قد لا يتطلب إقناع الأسر بقدر ما يتطلب الوصول إليها بمعلومة دقيقة وواضحة. فحين يعرف الآباء أن اللقاح يهدف إلى الوقاية من سرطان قد يصيب بناتهم مستقبلاً، يبدو أن الحاجز الأكبر لا يكون الرفض، بل غياب المعرفة.







