تواجه منظومة توزيع الطاقة والماء بمدينة طنجة ضغوطا تشغيلية متصاعدة، تفرضها ممارسات الاستهلاك غير المفوتر التي تحولت إلى تحد مالي يهدد مردودية الشبكة في هذا القطب الاقتصادي الحيوي.
وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن الموزع المفوض بمدينتي طنجة وتطوان، عن رصد ما يناهز 20 ألف حالة غش خلال سنة 2024 وحدها.
ويشير هذا الرقم الضخم، الذي يجمع بين مخالفات قطاعي الماء والكهرباء، إلى حجم الأعباء التي يتحملها المرفق العمومي جراء سلوك غير قانوني يؤدي إلى استنزاف الموارد دون مقابل مادي، ويعمق الفجوة المحاسبية بين تكلفة الخدمات المقدمة والعائدات المستخلصة.
ويضع الخبراء الاقتصاديون حالة طنجة تحت المجهر باعتبارها نموذجا للمدن التي تشهد توسعا عمرانيا سريعا، مما يجعل ضبط الشبكة أكثر تعقيدا.
ولا تندرج هذه الاختلالات ضمن خانة “الخسائر التقنية” الاعتيادية الناتجة عن تآكل المعدات أو التبدد الحراري للطاقة، بل تصنف كـ “خسائر تجارية” ناتجة عن تدخل بشري مباشر.
ويؤدي هذا الاستهلاك الخفي إلى إرباك معادلة العرض والطلب، حيث يضطر الموزع لضخ كميات إضافية من الطاقة والمياه لتلبية حاجيات أحياء ومناطق تستهلك بقوة لكنها تظل خارج دائرة الرصد المالي، مما يضرب توازن العقود الاستثمارية في الصميم.
تحديات المردودية في بيئة حضرية متسارعة
وتكتسب أرقام الغش المسجلة في طنجة دلالة اقتصادية خاصة عند قراءتها في ضوء المؤشرات الوطنية. فإذا كان المغرب قد سجل وطنيا أكثر من 93 ألف حالة سرقة كهرباء خلال عشر سنوات (بين 2013 و2022)، فإن رصد 20 ألف حالة في منطقة الشمال خلال سنة واحدة (2024) يعكس تكثيفا غير مسبوق لعمليات المراقبة، بقدر ما يعكس استفحالا للظاهرة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وتساهم هذه السلوكيات محليا في الضغط على المؤشر الوطني للمردودية الذي يستقر عند حدود 78 بالمئة، تاركا فجوة تقدر بـ 22 بالمئة بين الإنتاج والمبيعات، وهي نسبة هدر مرتفعة تتضمن الخسائر التقنية وغير التقنية معا.
ويشكل هذا الهدر المالي عائقا أمام تدبير الموارد في مدينة بحجم طنجة، حيث يتطلب النمو الديموغرافي استثمارات مستمرة.
وبالعودة إلى المعطيات المالية الوطنية، تم استرجاع 375 مليون درهم فقط من أصل ملايين الدراهم الضائعة (أي ما يعادل 27 بالمئة من القيمة المقدرة للاستهلاك غير المفوتر).
ويوضح هذا الرقم صعوبة تعويض الخسائر بشكل كامل بمجرد وقوعها، مما يجعل الرهان في طنجة منصبا على “الوقاية والردع” عبر تقليص هامش المناورة أمام المخالفين، لأن كل درهم يضيع في الاستهلاك غير الشرعي هو درهم يقتطع من ميزانية تحديث الشبكة وتقويتها.
الصرامة القانونية شرط للاستدامة
وأمام هذا الوضع، تعتمد المصالح المختصة بطنجة استراتيجية تقوم على التطبيق الصارم للمسطرة القانونية، معتبرة أن الأمر يتعلق بسلوك يقع تحت طائلة القانون وليس مجرد مخالفة إدارية.
وتبدأ العملية بحملات ميدانية لفرق التفتيش تنتهي بتحرير محاضر رسمية تثبت واقعة الاستهلاك غير القانوني، تليها إجراءات دقيقة تهدف إلى استرجاع المستحقات المالية لفائدة الموزع.
وتبتعد هذه المقاربة عن أي توظيف اجتماعي، مركزة على البعد التقني والمحاسبي لحماية المال العام، وضمان استخلاص فاتورة الطاقة المستهلكة فعليا وفق تقديرات علمية دقيقة.
ويبقى الهدف النهائي من هذه السياسة الحازمة هو تأمين الاستدامة المالية للمرفق. فمدينة طنجة، بمشاريعها الكبرى ومناطقها الصناعية والسياحية، لا تتحمل أي تذبذب في جودة التزود بالكهرباء.
ويرتبط ضمان هذه الجودة بشكل عضوي بمدى قدرة الفاعلين على تحصيل مستحقاتهم كاملة، لضخها مجددا في مشاريع الصيانة وتجديد المحولات والخطوط.
وبالتالي، تتحول محاربة الاستهلاك غير المفوتر من مجرد إجراء زجري إلى ضرورة اقتصادية ملحة، تهدف إلى حماية الشبكة من الانهيار تحت وطأة أحمال زائدة “غير مرئية”، وضمان استمرارية خدمة عمومية تحترم المعايير الدولية.







